VILLES ARTICLES FRANCAIS HOME PHOTOS LIVRES

 

السرد بين التمرّد والذات المكبوتة:

 قراءة في مجموعة «لأنّها» ـــ

بقلم عبد اللطيف الإدريسي

تعتمد القاصة اليمنية هدى العطاس لوضع منهجها الفني ورؤيتها الواقعية النقدية في بنيتها القصصية على خلق أماكن التَشاكُل أو التماثل والتَشابُه بين الواقع "réelité" والسحر "magie" والفنتازيا "fantasique" في بناء أحداث قصصها وخلق شخصياتها وتكوين فضاءات نصها وعلاقاته الزمنية والمكانية.‏

فمنذ صدور مجموعاتها: هاجس الروح.. هاجس الجسد "obsession de l'ane obsession du corp" (1) ولأنّها "Parce au'elle" (2)، وبرق يتدرّب الإضاءة "Et l'éclair s'initie la lumiére" (3)، نسجّل انقلاباً على أساليب السرد التقليدية وأنساقها البدائية.‏

إنّ نصوصها تبيّن وجود اتّجاه حداثي ابتدعتْ إثرها كتابة قصصية جديدة تستقي مادّتها الخام من ذاكرة يسكنها الارتهان والإخفاق والخيبة والمعاناة والملاحقة، وتلتمس عالماً جديداً مناظر لا ينسى ولا يتناسى وجود المرأةِ وشخصيتِها وأفكارِها وكينونتِها التي تطمح إلى التحرّر والحرّية، كما تلتمس عالماً لا يتجاهلُ أنوثَتها الطافحة والمترعة، عالم ينطلق من مجهول الواقع إلى مجهول الكتابة ومتخيلها السردي الذي يحقّق معالم ومعاني الكتابة الحداثية.‏

فهي هكذا تُطَعِّم عناصر شخصياتها ومكونات أحداثها وموضوعاتها التيمائية وأفكارها بكتابة مستقاة من أفق الحداثة وتحولاتها.‏

لقد استطاعت القاصة هدى العطاس عن رسم شخوصها أن تنبش الواقع المطمور، المسكوت عنه والمطرّز بالأوجاع والهزائم والاستيهامات التي وضع أسسها المجتمع الذكوري الذي يتغلّب فيه الذكر على صوت الأنثى التي لا تملك قدرة ولا حقّ الدفاع عنه نفسها لأن صوتها أبكمٌ عاقرٌ.‏

فهي تستطيع هكذا أن تبرز تجليات الوعي بالواقع لدى شخصياتها وما تضمره وتُخفيه من صور سرية وعلاقات خفية لواقع هو أقرب إلى القمع الذكوري والتسلط الأبوي. رغبتها في هذا، التحرر من مناطق العزلة والصمت.‏

من هنا أعلنت القاصة اليمنية هدى العطاس في مشروعها ووعيها الثقافي المعرفي رفضها لهذا وخلق مجال حكائي وصراعي تتصارع وتتضاد داخله شخصيات هذا الواقع، فتفرض هكذا نوعاً من العلاقات التصادمية والصراعية وعدم التصالح التام بين الذات الأنثوية المكبوتة والجماعة من جهة والواقع والموروث السلبي والطموح من جهة أخرى. فهدى العطاس، بذلك، وكما جاء على حدّ تعبير محمود جابر عباس:‏

"تزيح الستار عن الواقع وتُسائله وتكشف عن غرائبيته وفنتازيته وتَفَرُّدِه وشِعْرِيته في بنية النص الحداثي" (4).‏

إنّها باستعمالها تقنيات وآليات الكتابة الإبداعية الجديدة استطاعت أن تعطي لنصوصها دوراً مؤثراً يسعى إلى وضع أسس بنية وخطاب أدبي أنثوي يتصف بخصوبة المتن الحكائي المتماسك المتجاوز للخطاب الأدبي التقليدي، وذلك بالاهتمام ببنية المحكي والحبكة القصصية والأنساق البنائية والمنظورات الرؤيوية والفكرية وتوظيفها في النسيج السردي والقصصي والتيمي بذكاء ومهارة.‏

فهي هكذا تطعّم الخطاب الأدبي الحداثي والمعاصر في اليمن وتؤثر فيه بمستويات متعددة ومتراكبة من المعاني والدعامات السردية.‏

وبهذا فإن كتابات هدى العطاس مع أديبات أخريات (5) تَكون قد احتلّت مكانة مرموقة في بنية هذا الخطاب وتكوينه وتشكيله وذلك انطلاقاً، كما يشيرُ إلى ذلك محمود جابر عباس عندما يكتب:‏

"من إدراكها ووعيها بمعالمها وأدوات اشتغالها بذات الصوت الجماعي الذي يتميّز بسعة مداركه وثقافته وعمق تجاربه وجنون الذات المبكوتة وواقعية الملفوظ الأنثوي" (6).‏

فإذا كانت قصص هدى العطاس تفصح عن مكبوت الذات، وبنوع خاص، الذات الأنثوية وإحساساتها الحسية التي تدفعها إلى مناطق أكثر التصاقاً بواقعها، يجعلها هذا تخلق نوعاً من السرد المتوتر والمكثّف والمقتصد في اللغة والأفكار وعناصر القصّ وشخوصه (7). هذه الشخوص التي، وكما سنراه لاحقاً، تجعلها الكتابة تتّجه في الاتّجاه الذي تَسْطُره مُسبقاً بقصديّة تامّة.‏

تشكل مجموعة هدى العطاس الثانية والتي تحمل عنوان لأنّها محطة رئيسية في تطور تجربتها القصصية.‏

تتكون هذه المجموعة من ستّ عشْرَةَ قِصّة. عملت فيها القاصة كلّ جهودها لتمزُج فيها بين وقائعية محددة تمثل نمط العلاقة بين الذات والعالم المحيط، مُستمدّة مشروعية هذه العلاقة ومصائر شخصياتها من الواقع كأفق متجاوز ضغوطاته وارتهاناته وإرغاماته اليومية، وبين عالم فنّي متكامل يعتمد في سرده إلى المتخيِّل السردي والفنتازي والأسطوري والعوالم الشعبية وخلق الأحداث الدرامية التي تتعانق فيها أسئلة الوجود والصيرورة الإنسانية، إضافة إلى هاجس الحرية الذي ندركه باستمرار من خلال الروح الشعرية التي تجسدها مع عناصر السرد التي عدَّت في مجموعها أنموذجاً ناضجاً لشعرية السرد والقصّ عند القاصّة هدى العطّاس، أو عبر التركيز والتكثيف والخبرة الحميمة بالموضوع الذي تتناوله.‏

وكمثال لشعرية السرد والقص والتكثيف، هذه النماذج للقصّة القصيرة جدّاً:‏

الأولى بعنوان "اخضلال":‏

مخضلة بالشاي كانت الملعقة ترقص وسط الفنجان...‏

بعد أن ذاب السكّر مسجاة كانت على الطبق بإهمال (8).‏

أمّا الثانية فتحمل عنوان "ظلام":‏

غرفتُ من ضوء الشمس بكفي حفنة، أطبقت عليها..‏

ومن فتحة سربت رؤيتي فاكتشفت أنّ ما زال الظلام بالداخل (9).‏

أمّا القص الثالث فيحمل عنوان "سرّ":‏

غرفتْ لقمة ماء، راقبت نزيفها.‏

بعد أن جفّت يديها اكتشفت كيف يموت الماء(10).‏

إن قصص مجموعة لأنّها تتجوّل عبر أزقة وسبل غير مطروقة تفضي إلى كهوف وسراديب وأعماق تسكنها أرواح إنسانية تبحث عن الحرية والتحرّر.‏

تجعل هدى العطاس شخوصها، بواسطة الذات الإيجابية التي تنشد إلى تعزيز الذات في مواجهة الواقع، تسعى إلى التخلّص من مخالب عادات وتقاليد وضعها الفكر القبلي المتزمّت.‏

فهي في قصصها تستنطق هذه العادات والتقاليد وعبرها الفكر القبلي الأبوي المتزّمت ومعه الفكر الأنثوي المساند. تقلب عليه الخيمة من الداخل عندما تجرؤ أن تخبره عن رؤاها الكامنة في ذاتها المتطلّعة إلى ما وراء الخطّ القبلي الدائر على نفسه.‏

فهي لما أيقظت شخوصها من نومها المجبر.. جمعت كلّ رؤاها في "لأنّها". هذه الرؤى التي ظلت مقموعة في ذاكرتها ومقبوعة داخل جسدها تنخر ذاتها.‏

فإذا كانت القصة القصيرة مجالاً يعبر فيه القاص عن ذاته وأفكاره ومحيطه، فهي عند هدى العطاس، إضافة إلى ما سبق ذكره، مشروع مفتوح على المستقبل وبالضرورة مفتوح على الماضي. إنّها تحاول أن تهرب إلى الأمام مُستنطقة العادات والتقاليد والفكر الأبوي المتزمت...‏

فجلّ القصص التي تحتويها مجموعة "لأنها" تنطلق من هذه الازدواجية، من هذا التعارض.‏

سنعرض في هذه المداخلة لتيمة مركبة استغلتها القاصة في كتابتها لتركز على ازدواجية الرؤيا رؤية الكاتبة وعبرها رؤيا الآخر الذي يقابلها، ويعارضها، ويناقضها... وهذه التيمة‏

(أو الموضوع) يمكن إطلاق عليها اسم الجدار/تكسير الجدار أو الحاجز/خرق الحاجز أو الذات المكبوتة/التمرّد (11).‏

انطلاقاً من قصة "حاجز ومطر" التي تتصدر المجموعة تعلن الكاتبة حربها على طقوس وسلطة عادات وتقاليد أصبحت صورة للخراب الذي أصاب الذات والمجتمع.‏

هناك حاجز اصطنعه الماضي والحاضر المثقلين بعوامل الانسحاق والتلاشي.. المقيدين بأسرار الكوابيس الجراح الدفينة والفضاءات المشحونة بالسواد المقيت.. ماض وحاضر مترسّبان بطبقات من الصحاري والكهوف المملوءة بالأفاعي والذئاب والعصي الغليظة..‏

ماض وحاضر لا يستطيعان تخطي حاجز المطر الكثيف.. فها هو ذا سائق التاكسي في "حاجز ومطر" يعلن عن عجزه:‏

"هذا صعب جداً لن نستطيع الوصول إليهم، بيننا مطر كثيف" (12).‏

تنطلق القاصة هدى العطاس من مبدأ أن الفكر الأسود القبلي المتزمت، فكر مقنّن تسكنه العادة وينخره التعوّد والآلية وعدم التروّ.. فكر يرفض المواجهة والتساؤل والاكتشاف.. إنّه فكر دائري.. مهامّه تطويق الذات..‏

يَبُرز ذلك في الصورة التي تتصدّر مجموعة الغلاف.. السواد يحيط بالمرأة/ الجنين من كل الجوانب..‏

فكر يضع حواجز وجدران تقيه من الانفتاح.. يفضل أن يظل قاحلاً أجرد عاقراً على أن يخترق جدار المطر الكثيف..‏

فكلما حاولت الذات التسرب والهروب من قبضته تلاحقها عاداتها وتقاليدها.. فقد حُكم عليها مسبقاً إما بالموت أو الجنون.‏

إنّ أول شيء يثير الانتباه، أو بعبارة أخرى، أوّل حاجز أو عثرة يعترض طريقنا عندما نتأهّب لقراءة مجموعة لأنّها يكمن في غلاف هذه المجموعة.‏

هذه العتبات أو المقدّمات الدلالية التي هي بمثابة نصوص موازية وضعتها الكاتبة عن وعي منها لترسيخ الوظيفة التداولية المستقطبة للقارئ والمحاورة له ولأفق انتظاره.‏

غلاف مجموعة لأنها أسود تتوسطه لوحة للفنانة أمينة النصيري وهي عبارة عن صورة توحي لنا بصورتين:‏

المرأة/الجنين كلها ألوان.. ألوان زاهية.. تضيء المكان الأسود الدائر بها الذي يطوقها.. حتى أننا لما نركز نظرتنا على اللوحة/النور نتناسى تواجد السواد/الظلمة.. كمن يعبر المفازات في ليلة مظلمة حالكة ويبرز له في الأفق البعيد قبس ضئيل، نور يهديه وينسيه الظلام الحالك الذي يسود مكانه ويملأ فضاءه..‏

فهدى العطاس عكس ما يذهب إليه النقاد.. نظرتها ليست أحادية الاتجاه، إنها تدافع عن الذات الأنثوية وعن الفكر النسائي.. بقدر ما تدافع عن الذات الذكورية.. لأنّها تدرك أن الذكر هو الآخر لم ترحمه قبضة الفكر الأسود المهيمن، فهي لا تلوم الرجل باسم المرأة.. إنها تلوم الوضعية التي هي عليها المرأة والرجل معاً.. فالمرأة يمكن هي الأخرى أن تصبّ الماء في مجرى الفكر القبلي وتطعّمه، ربما تكون أكثر كيداً وخبثاً ومكراً.. فعويل الذئبة يرمز إلى ذلك عند هدى العطاس.‏

يظهر ذلك واضحاً وجلياً في قصة "وابل دم" وفي "أنين"؛ إذ نقرأ في "وابل دم":‏

"وعوت ذاكرته بصوت العجوز زوجة (مقدّم) القبيلة بنبرة توبيخ تقول: (ونابوك) الرجل نزغرد له حين يقتل ونبكي عليه حين يموت على الفراش، وتقلصت غضون وجهها القوية التي لا تشير إلى الهرم قدر ما تحيلك إلى حفريات الزمن" (13).‏

العجوز، زوجة المقدّم، تشخيص حي لذاكرة القبيلة المشحونة بالخرافات والعادات والتقاليد المتخلفة البدائية المطالبة بإهدار الدماء كلما استطاعت ذلك.‏

تضيف العجوز زوجة المقدم: "الثأر قدر الرجال (ونابوك). واحمرّت عيونها الحادّة كذئبة، المقمحة بالإثمد وخطوط الوشم فوق ذقنها كخطوط موت مرسوم" (14).‏

هكذا تدعو العجوز زوجة المقدّم الذئبة التي وُشِمَت على ذقنها ذاكرة القبيلة وعاداتها وتقاليدها أن يأخذ بثأرها، لا بثأره.. تطالبه القيام بالعملية، تكتب هدى العطاس:‏

"وهذا والسحب ناسجة قماشة غليظة وحجبت السماء" (15) و"أسدل الظلام عباءته" (16).‏

وتضيف في جملة توحي بانهيار الذات المطالبة بالانتقام إذ تقول "بيت عدوّه ـ كما قيل ـ أمامه" (17).. "كما قيل" هو لم يقل بل قوّلوه.. الأشياء تُقال، يُنْطَق بها، مصدرها مجهول، أمّا هو فملزم بالتنفيذ..‏

إلا أنّه لاقى بيتَ عدوِّه وعدوَّه مملوءين النور والبشاشة والليونة والألوان: "لاقى وجه خصمه البشوش الذي أواه" (18). وتضيف هدى العطاس: "مدّ إليه صحن الطعام قائلاً: لابدّ أنك جائع، هاشاً به بابتسامة"..(19)‏

كيف لا يشعر بالانخذال وهو "في منعرجات اللحظة تنهض عيناه، تزفّ بشرى الرؤيا.. يذهب إلى أقصى مدى للحنين.. كفراشة أعماها الضوء"(20). إلا أنّه لا مفر.. القرار صعب أخذه.. الأرجوزة "La marionette" حاضرة تنبح في أذنيه إخوته ينتظرونه عند أول منعرج؛ تُنبؤنا الكاتبة أن ثمن الرفض سيكون غالياً: "سينوح به العار إن لم يأخذ به".. "الأطفال حوله سيعبثون به.. سيعبثون بالمنبوذ فيكبو على وجهه، وأسمال الخزي ترتدي حياته" (21).‏

إنه يعرف مسبقاً خاتمته.. بينه وبين رفض الأخذ بالثار مطر كثيف.. هكذا هو في ازدواجية.. إما أن يأخذ بالثأر، فيؤكد على ذاته المكبوتة.. وإما أن يتمرّد ويرفض.. أي يقتحم المطر الكثيف.. في اتّجاه ذلك المجهول..‏

عندما حزم أمره بالرحيل بخرق حاجز المطر الكثيف.. أغمض عينيه ليطرد الوجوه المقطبة، وكان الليل قد ألبس الكون قماشه.. والوجوه المقطبة وصوت الأرجوزة المختلط بأصوات الصبية يطاردونه عبر الأزقة..‏

إن هدى العطاس تجعلنا نلتمس ونتلمّس حاجزاً خفياً.. جداراً مدفوناً في قرارة ذواتنا، أنفسنا، جدار داخلي، سدّ منيع، جدار غير مرئي.. يعرقل عملية الخروج، جدار لا يمكن هدمه إلاَّ من الداخل..‏

تنجح القاصة في كشف أعماق شخصياتها من خلال وعيهم بالعالم المحيط، ذكراً كان أم أنثى.. ففي قصّتها "الجدران" الطائر محاط بجدران الغرفة ـ مثل المرأة/الجنين المحاطة باللون الأسود في غلاف المجموعة..‏

يصطدم الطائر بجدران الغرفة المحيطة به.. يصطدم بالسقف الخشن.. السقف الذي يغطي العادات والتقاليد والأفكار السحرية.. يصطدم بالواقع القبلي..‏

فرغم صغر جسم الطائر المملوء بالريش، فإنّه يجرؤ وينطح الجدران:‏

"صفّق الطائر بجناحيه آخذاً بنطح الجدران" (22).‏

فهو بالقيام بهذه العملية يتحول إلى "حورية"، يفتح لنفسه منفذاً وسط هذه الجدران.. يبحث عن ضوء خارج هذا "الفضاء المحدود" (23)، فحورية/الطائر تدعو نفسها لنطح ذاكرة مجتمعها من الداخل.. لكنها تجد نفسها رغم تلك النافذة التي فتحتها أنها تطبّعت وتعوّدت على وضعيتها حتى أنّها أصبحت تنظر إلى واقعها المرّ المحروم من كل حرية وكأنه الواقع الواقع.. واقع لا واقع سواه.. لأنها لم يحصل لها أن قارنت بين واقعها ووقائع أخرى.. فهي بهذا تكون قد عميت عن رؤية النافذة، تضلّ طريقها، فتظل (يظل الطائر) "تتخبط في الفضاء المحدود" (24).‏

فها هي كانت قد عزمت القصد في البداية، أنْ ترفض هذا الواقع:‏

"لن أتزوج ابن عمّي"، تثور عليه.. لكنها عندما يرتفع صوت القبيلة الجائش "هرولت مرتدية الحاجز الأسود فوق هامتها"(25).‏

الكاتبة تدعونا لهدم هذا الجدار بطريقة انكفائية انخسافية "implosive"، هدم الحواجز الذاتية.. خلع الحاجز الأسود عن هامتنا.. بقايا الجدران، بقايا غياهب الجبّ المكنونة في الذات.. خنق الذاكرة القبلية..‏

ففي قصتها "امتزاج" تحذرنا أنّه لكي يقع الامتزاج والالتحام لابد من مسح الحدود ورفع "حواجز الجوازات" والإسقاط "بشرطة العبور" (26).‏

وكذلك في قصتها "عربة فارهة للعيد" إن الشخصية الرئيسية في هذه القصة.. واعية تمام الوعي "بالسياج الحديدي الذي يفصله عن العالم الخارجي (27)".. يعلم "أن سيّاج الحزن يفصله عن الفرح" (28).. ولما قرّر أن يقفز خارج السياج الحديدي:‏

"كانت صرخة غاصة سالت معها آخر قطرة من دمه" (29).‏

إذن كل محاولة للخروج، للصعود، للتحدّي، لتحرير الذات لا تتمّ بدون مقابل.. إن لها ثمنا.. أدناه الاندثار والانمحاء، محو الذات، حبسها، وأقصاه الجنون كما حصل للشخص الذي رفض أن يأخذ بالثأر في "وابل الدم" أو الموت كما عاينّاه في "عربة فارهة للعيد".‏

فهكذا يكون ثمن كسر الحواجز وهدم الجدران لتحرير الذات المكبوتة غالياً جداً.. ففي المطالبة بتحرير الذات موتها وجنونها.. فكلّ طالب حريّة ميّت..‏

في قصتها "تطلّع".‏

"القبو المرعب.. لأنّه كما يقال لهم دائماً.. مسكون بالعفاريت" (30)

مصدر الكلام ناتج عن مصدر مجهول.. يملي ما يجب سماعه.. حتى أننا لا نستطيع أن نتأكد من مصدر الكلام أو أن نتحقق من صحته.. كما يقال لهم دائماً.. "فدائماً" هذه بديهية، مسلّمة، حقيقة ثابتة..‏

"القبو المرعب مسكون بالعفاريت" بل مسكون بالفكر السحري المتخلف الساكن ذواتنا..‏

"في ريف مكتحلة سماؤه بالخرافة" (31).‏

فشخصية البنت في "تطلّع" لا يهمها الزواج بابن خالتها بقدر ما يهمها التعلم.. فنفسها توّاقة للعلم والمعرفة.. للتطلّع، للطلوع.. لكن الفكر القبلي قرّر أن يُسكّن القبو بالرعب وبالعفاريت.. فهي رغم قرار القبيلة كانت تحاولا انطلاقاً من "إحدى زوايا القبو أن تحمل صندوق الكتب والطلوع به إلى أعلى" (32).‏

كيف لا وهي التي ذاقت طعم القراءة، لذة العلم والمعرفة.. فهاهي ذي كما صوّرتها الكاتبة تسترسل وتتهجّى ناطقة الحروف ق ـ ط ـ ف = قطف، وكأنها تقطف حروفاً، وروداً زاهية من كل الألوان:‏

"قالت لَحْظَتها تُعلِّم نفسها: هذا يشبه القافْ وهذا الطاء وهذا الفاء وهذا.." (33)‏

".. وتمثلت الأحرف أمام عينيها كلمات وتجسدت الكلمات صوراً لشخوص، نساء ورجال، وجوه ودودة تتلامس وشفاه تنفرج وعيون تقرأ ككتاب وأصوات هامسة وأصوات صارخة.. عج القبو بالشخوص.." (34)‏

عمّت الحياة القبو الميت، عمّ النور مكان الظلام القاتم.. أخذت لوحة المرأة/الجنين حيزاً أكبر في الغلاف..‏

"أحست بنشوة وخُيّل إليها أن القبو يتسع حتى أصبح فضاء لا متناهياً، قالت لنفسها ـ نَبَتَت لي أجنحة" (35)..‏

هاهي تقتحم المطر الكثيف.. تقصّ رؤاها.. تنبجس.. تفجّر الجدار من الداخل، إلا أن:‏

"الماء ارتفع. غطى الجِذع كلّه وأخذ جسدُها يغوص ويغوص ـ طفح وجه أبيها أمام عينيها، ذلك الوجه الدائم التهجم والكلمات الجافة" (36).‏

مرّة أخرى حاجز التقاليد والتقوقع على النفس يفاجئنا يأتي من حيث لم نكن ننتظره، السطو الأبوي، التعنّت الرجولي.. القمع المجبر.. منسوب الماء يرتفع، ومنبع ذلك "وجه ابن خالتها المتجهم والذي يتداخل مع وجه الأب" (37)..‏

إنها ذاقت حلاوة الحرية، قطفت الحروف وروداً وتجسّدت الكلمات.. وجوهاً ودودة وأكف تتلامس وشفاه تنفرج..." فكيف لها الرجوع إلى الوراء.. لكن أين المفر؟..‏

"وفي تلك الليلة "ارتفع منسوب المياه وصوت شلالات الساقية تحوّل إلى هدير صاخب ينبعث منه همس لأصوات تتآمر وأصابع تمتد نحوها... كان تهديداً وعزماً بالزواج من ابن خالتها.." (38)‏

"منسوب المياه يرتفع ويرتفع حتى غامت الصور جميعاً وطفا الجسد المنتفخ إلى الأعلى وأخذت تجرفه المياه".. (39)‏

في قصتها "ظلام" فإنها رغم أنها "غرفت من ضوء الشمس" (40)، وتسربت بنظرتها إلى الخارج.. اكتشفت "أن مازال الظلام بالداخل" (41).‏

إذن فقبل أن تفجر الحواجز التي تطوقها.. قبل أن تنفجر.. هنالك عملية أخرى لابد من قضائها.. عملية "انكفاء"، "انخساف"، "انخراق"، انفجار داخلي.. يجعلها تكسر حواجز الذات.. مدركة أنّ الجنون أو الموت ينتظرانها عند اختراق المطر الكثيف.‏

أو ربّما الجنون والموت في نفس الوقت. ألم تنظر "صفيّة في قصة "أنين" إلى أمّها ببلاهة وقد "انكمشت على نفسها تريد التلاشي.. وانتابها دوار وغثيان فأخذت تنظر ببلاهة حيناً إلى الأمً.. وحيناً إلى الأب ذي الوجه المقنّع وهو يسنّ السكين" (42) لينتهي "وفار دمها مبقبقاً على الأرض".. "والعينان لا زالتا مفتوحتين يرتسم داخلهما سؤال مكبوت (43).‏

فقد تجرّأت "صفيّة" أن تطالب، كزميلتها في قصة "تطلّع"، بحقّها في التعلّم:‏

" ـ ولكنّي أودّ أن أتعلّم.. ونفخت الأم قائلة: ـ الفتاة لا يجب أن تتعلّم كثيراً. وبدهشة متسائلة ردّت صفية لماذا؟" (44) السؤال الذي لا يجب طرحه.. إن السؤال حرام.. هذا السؤال المكبوت الذي ستجد جوابه في موتها.. كما حصل لفتاة القبو التي حاولت حمل صندوق الكتب والطلوع به إلى أعلى...‏

كان جواب أمها "أن هزّت كتفيها ولم ترد" (45).‏

أليست الأم هي التي قدمت حياة صفية قرباناً لأرباب البانتيون:‏

".. وعندما التصق الثوب بالبطن وانكشف المستور. وكذئبة جريحة عوت الأم عواء مفجعاً تردّد صداه في أرجاء الدار" (46). لم تصلها "الذبذبات الحزينة المشفقة" (47)، فقدت الأمل:‏

ففي حزن الذوات فرح القبيلة.. وبعد أيام كان صاحب صورة الثوب الملتصق بالبطن:‏

"يضع رجلاً فوق رجل.. ويتلذذ بشرب الشاي"، بشرب الدم.. "وفي الخارج يتلقى والده" يتلقى إخوته، تتلقى عشيرته "التهنئة بالعرس الميمون" (48).‏

هكذا ينجح الفكر الرجولي الذي تسانده المرأة الذئبة حصار التمرّد النابع من كتابات هدى العطاس، ومن ذاتها المتعطّشة لماء الحاجز المطري، إلاَّ أنّها في إحدى المنعرجات تشعر بنوع من الإحباط، لأنّها.. وحيدة:‏

"امرأة وحيدة ترتدي حزناً ومعطفاً من شقاق، امرأة لا تمسك الخطوات.. محاولة أن تهمي بالتفاؤل، تنسق باقاتها، ترتب التماثيل التي تملكتها.. تضع اللوحات فوق حوائطها، وعندما تقف في زاوية لتضع رؤيتها الأخيرة على المنظر.. تكتشف غياب مفتاح الضوء!" (49).‏

إلاَّ أنّها تتغلّب على هذا الإحباط، ولا تقطع الأمل، لأنّه لمّا يلتحم جسدان ويصيران جسداً واحداً تطفو الذات ويصير لها حيّز في الوجود، يكون هذا بداية التمرّد. فعملية الامتزاج لا يمكن أن تحصل إلاَّ بمشاركة الطرف الآخر، فهاهي هدى العطاس، في حلمها، تدعوه أن يشاركها صيحتها: "كنت أضطجع خيل إلي وجهك يطل فوقي، بعينيك اللتين، كبلاد، امتدّ صمت الكلام بيننا، ولكنّك كنت تثني روحك على خاصرة هواجسي. امتدّ صمت الكلام، وظلّ انثيال بلادك يمازج حدودنا، ويرفع حواجزك الجوازات. وبصوت واحد عوينا فلتسقط شرطة العبور" (50).‏

هكذا تنهض القصة القصيرة اليمنية وخاصة عند هدى العطاس عبر نماذجها الجيدة التي أثبتت وجوداً وحضوراً فعالاً في الساحة العربية ولم تعد تشكيلاً غير واع موصولاً بالقص التراثي بل لجأت إلى تقنيات معاصرة تبلور من الفضاء السردي أفقاً شعرياً مخضلاً بالهم الأنثوي والذكوري معاً وذلك عبر تركيبة قصصية تمتزج في "مناخاتها المدهشة انزياحات الصورة الشعرية وعناصر القصة"(51).‏

الهوامش:‏

(1) عن منشورات وزارة الثقافة ـ فرع عدن، 1995.‏

(2) عن مؤسسة العفيف الثقافية، صنعاء، 2001.‏

(3) عن مطابع وكالة الأنباء اليمنية "سبأ"، صنعاء، 2003‏

(4) "جدل القراءة في المدوّنة القصصية والروائية اليمنية الحداثية" عن جريدة الثقافة الأسبوعية الصادرة بصنعاء في 25 أبريل 2001.‏

(5) لابد في ميدان القصة فحسب بل وفي ميدان الرواية والشعر والمقالة الفنية والنقد الفني... نذكر على سبيل المثال لا على سبيل الحصر أروى عبده عثمان، نبيلة الزبير، ابتسام المتوكل، نادية مرعي، هدى أبلان، أمينة النصيري، نادية الكوكباني، محاسن الحواني... وأخريات).‏

(6) نفس المرجع.‏

(7) (8) (9) (10) يسوقنا هذا إلى استرجاع ما قاله الكاتب ؟؟‏

(11) لقد استجلينا هذه التيمات بمقاربتنا لنصوص وقصص هدى العطاس ومساءلتها، الذي أدّى بنا إلى وضع حقلين مَعْجمين اعتمدتها القاصّة في بناء خطابها:‏

*الحقل المعجمي الأول والذي يتكون من ألفاظ ومترادفات وكلمات مركبة وعبارات تنطلق من الغلاف المحتقن بالسواد الدائر بالغلاف. وهو ما أطلقنا عليه اسم "الجدار" أو "الذات المكبوتة".‏

*والحقل المعجمي الثاني استقينا ألفاظه ومترادفاته... انطلاقاً من لوحة آمنة النصيري اللوحة/النور أو المرأة/الجنين والذي أطلقنا عليه اسم "هدم الجدار" أو "التمرد". وعملية الهدم أو التفكيك هذه تكون إما انفجارية ـ انبجاسية "explosive" في اتجاه الخارج أو انفجار انكفائي ـ انخسافي "implosive" في اتّجاه الداخل.‏

انظر أسفله ص 11.‏

(12) نفس المرجع ص 9.‏

(13) ص 31.‏

(14) ص 31.‏

(15) ص 30.‏

(16) ص 30.‏

(17) ص 30.‏

(18) ص 32.‏

(19) ص 32.‏

(20) "في منعرجات اللحظة تنهض عيني، تزف بشرى الرؤيا تتمرغ تفاؤلها، تذهب إلى أقصى مدى للحنين، ينبثق صدر معلناً عن واحاته، يهيض أجنحتي، ألف ألف حول شعاع الواحات كفراشة أعماها الضوء" موت وردي" ص 71.‏

(21) ص 33.‏

(22) ص 24.‏

(23) ص 25.‏

(24) ص 25.‏

(25) ص 24.‏

(26) ص 21.‏

(27) ص 26.‏

(28) ص 26.‏

(29) ص 27.‏

(30) ص 47.‏

(31) "تمرّد" ص 65.‏

(32) ص 50.‏

(33) ص 49.‏

(34) ص 49.‏

(35) ص 49.‏

(36) ص 50.‏

(37) ص 50.‏

(38) ص 50.‏

(39) ص 50.‏

(40) ص 64.‏

(41) ص 64.‏

(42) ص 42.‏

(43) ص 42.‏

(44) ص 40.‏

(45) ص 40.‏

(46) ص 41.‏

(47) ص 42.‏

(48) ص 43.‏

(49) "التباس"، ص 68.‏

(50) امتزاج"، ص 21.‏

(51) محمود جابر عباس، نفس المرجع

 

 

 


تصميم مسعود عمشوش