VILLES ARTICLES FRANCAIS HOME PHOTOS LIVRES

 

ولنا في جيراننا قدوة حسنة

د. مسعود عمشوش

لقد بات من اليسير على المتأمل في المشهد الذي تعيشه المملكة العربية السعودية منذ تسعينيات القرن الماضي أن يلمس حراكا سياسيا وعلميا وثقافيا لن يجده في عدد كبير من الأقطار العربية الأخرى ومن بينها بعض الأقطار التي تعد أنفسها أسبق في مجال النهوض (أو الانفتاح) الثقافي. ومما لاشك فيه أن السعودية التي أدركت مبكرا أن النهضة الحقيقية لن تتأتى إلا من خلال الاعتماد على العنصر البشري الوطني المنتمي إلى أرضه ودينه وعروبته قد بذلت جهودا استثنائية وطويلة وباهظة الثمن في سبيل تأهيل أبنائها في مختلف المجالات. واليوم أضحى الباحثون والأساتذة السعوديون المتميزون يشكلون عماد الفرق البحثية والهيئات التدريسية في الجامعات ومراكز البحوث السعودية. وفي الجانب الثقافي، يمكن أن نشير إلى النجاح الكبير الذي حققته تجربة مهرجان الجنادرية والأندية الأدبية المنتشرة في مختلف المدن السعودية. فقد استطاعت مطبوعات تلك الأندية -من دواوين شعرية ومجموعات قصصية ودوريات متنوعة (كالقوافل وعلامات في النقد وجذور ونوافذ) - أن تحظى بشهرة كبيرة بين أوساط المثقفين العرب. كما اكتسبت بعض الأسماء السعودية، مثل المفكر عبد الله القصيمي والأستاذ عبد الله الغذامي  والناقد سعيد البازعي والروائي عبده خال، سمعة طيبة في بقية الدول العربية.

لكن، بما أن النصف الثاني من القرن الماضي قد أفرز تقسيما للدول العربية إلى مراكز وهامش أدرجت فيه جميع أقطار الجزيرة العربية فقد عانت المملكة العربية السعودية وبقية دول الجزيرة من بعض الأحكام المسبقة التي حجبت ما يعتمل من تطور علمي وثقافي وسياسي فيها عن عيون المشاهدين العرب خارجها.  فحينما كتب د. عبد الله الغذامي مثلا كتاب "حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية" في مطلع سنة 2003 دهش بعض العرب وكتبوا (وهل توجد حداثة في السعودية؟) وقد أثار رد الفعل هذا حفيظة بعض الأخوان السعوديين مثل الإعلامي وائل مرزا الذي كتب في صحيفة (الوطن) السعودية بتاريخ 24 يناير 2004 "رغم أننا لسنا هنا في معرض الحكم على النيات، كما أننا يقيناً لسنا في وارد التعميم، إلا أن من الواضح أن جزءاً من التقصير الذي نتحدث عنه ينبثق بشكلٍ مباشر أو غير مباشر من درجةٍ من (التعالي) الثقافي والفكري الموجود لدى بعض شرائح المثقفين والإعلاميين من بعض البلاد العربية تجاه ما يمكن أن يُسمى حراكاً ثقافياً وسياسياً متميزاً في الجزيرة العربية بشكل عام، وفي السعودية على وجه الخصوص. وحين يأتي هذا الحراك بشكلٍ يتجاوز فيه بمراحل الركود الثقافي والسياسي الموجود في تلك البلاد التي من المفترض تاريخياً أن تكون معاقل الحراك السياسي والثقافي، فإن مسألة إنكار أي حراك سياسي وثقافي في بلد مثل السعودية، ومسألة (الاستهانة) به عن جهلٍ أو عن قصد ربما تصبح مفهومةً أكثر".

لذلك نعتقد أن تنظيم الجامعات السعودية عدد من الفعاليات الثقافية في رحاب جامعة عدن في الفترة من 14ديسمبر إلى 18 ديسمبر 2004 يتضمن دلالات عدة؛ من أهمها تجسيد التطور الحقيقي  الذي حققه جيراننا السعوديون ومدى رغبتهم في الحوار الذي ينبغي أن يحدث بين الأشقاء قبل يطبل لإقامته مع الغريب. وبالنسبة لنا يمكن أن يشكل ما يقوم به أخواننا السعوديون من نشاط ثقافي في اليمن قدوة حسنة، ومثالا يبين لنا الطريق السوي للحوار مع الآخر.

 

تصميم مسعود عمشوش