|
"هذيان
المرافئ"
رواية الوعي ... اليمني سالم العبد
يرسم اللقاء المستحيل مع
الآخر
نبيل سليمان
في الريادة الروائية لما عنونْتُهُ
منذ عام 1985 بوعي الذات والعالم، جاءت رواية شكيب الجابري «نهم» عام 1937 لترسم
اللقاء بالآخر في الفضاء الألماني. لكن هذا الفضاء لم يشغل من روايات من تلوه سوى
النزر، كما في رواية محمد عيد «المتميز» وأسامة الفروي «المشعوف» و... ورواية سالم
العبد «هذيان المرافئ» التي يرويها ـ كالعادة الطاغية فيما سبق ـ طالب يستعيد زمنه
الأول في الوطن على إيقاع زمنه الجديد في الفضاء الغريب، وذلك على إيقاع العلاقة مع
المرأة.
فمن برلين «المدينة الكامدة» يبدأ
الطالب
اليمني عمر رواية «هذيان المرافئ» مع
كريستين واصطحابها له إلى بيت صديقتها كارينا
حيث استجاب لاندفاعة الصديقة
الثالثة سيلفيا، بدفع من كريستين نفسها. لكن كريستين
ستسخر من سهولة انقياده،
وتبدأ الرواية بمخاطبته: «لقد أثبتّ أنك حقاً من الشرق»،
فيقرر الرحيل لولا أنها
ترجوه: «ابق ولا تكن طفلاً» وتطلب من كارينا الموسيقى
احتفاءً «بمليكنا المتوج
القادم من عالم الشرق الساحر». وريثما تجمع عمر مصادفة
أخرى بتلك «الأنثى الرائعة»
يتلبسه الخاطر المستريب حول غرابة تلك التي تخاطبه
وغموضها: «أوه كم أنتم
عاطفيون»، وتعلل دفعها له إلى سيلفيا بالتسلية، وتصفه بفرط
الحساسية.
لقد مضى عمر الذي يبدو نسخة باهتة من
روايات
أوقصص توفيق الحكيم وسهيل إدريس
وفؤاد الشايب وعبدالسلام العجيلي... إلى مصادفة
كريستين للمرة الأولى،
مسكوناً بالخوف من الوحدة، وبالوحشة الصارمة، وبقرحته
المعوية، بعدما فارق (كوني)
التي تنازعه بطولة الرواية. وإثر مصادفة كريستين مرة
ثانية يبدو مشبوحاً بينها
وبين كوني، كما يعبر هذا المونولوج: «أيتها الروح النازفة
ألماً وكبرياء (يخاطب كوني)
كيف يأتي لك أن تكتنزي كل هذا القدر من القسوة الباردة
كبرودة سمائكم الكامدة؟ وأنت
يا كريستين: أيتها الحلم الغامض المثخن، يا من تهرق
طهرها على موائد العربدة
بحثاً عن لحظة هجعة وانطفاء! أيتها الباحثة عن سكينة منفية
لروحها الفقيرة! يا ومضتين
يائستين [كذا] ترفان بدأب في فضائي المثلوج المنبوذ،
عليهما تقهران الرمادية
واللامعنى».
وكما يسعى عمر خلف كريستين، تسعى
خلفه،
ليتغلبا على المصادفة. وعبر ذلك
يستعيد زمنه في لايبزغ قبل أربعة أعوام، أول عهده
بالغربة، حيث كابد التأقلم
والخوف من الانكسار والإخفاق، كما كابد السأم والإرهاق
و «الفضول الجائع والنداءات
البدائية» ومقاومة شيطان الغواية، إلى أن التقى بكوني
في مكتبة الجامعة، فبهرته
عرقيتها. كما يتجلى في إلحاحه على قسماتها الآرية ونزعتها
الآرية، حتى ليجعل منها
أنموذجاً «يجمع خصائص قومها المكبوتة، بفعل الهيبة الطاغية
للنظام الحديد الذي أضاف
عبئاً فوق عبء الهزيمة». لكن كريستين هي التي ستشغل هذا
الشطر من الرواية (الفصل
الأول) بوجودها «القدري المتشح بالعبثية». وحين تصله
رسالتها إلى مكتبة الجامعة،
يجعله المطر يستذكر من طفولته ما يقطع سياق الرواية في
قصة الطفل عويضان الذي جرفه
الفيضان من القرية. ثم تأتي قصة كريستين التي أحبت
زميلها في الجامعة وأنجبت منه
طفلة، لكنه اختفى، وهي لا تكن له إلا مشاعر الغفران.
وقد علمت كريستين بأمر كوني
وعمر من مكتبة الجامعة (!) لكنها تراهن على هذا الذي
تروي له قصتها لأنها تراه
(مغايراً)، كما تراهن على السؤال: «فهل يدوم حب الرجل إلى
ما لا نهاية؟». لكن عمر حين
يصادفها في الملهى مع أجنبي آسيوي تشتعل غيرته ويعيّرها
كمومس، ويندم. «وكما تكتمل
فصول مشهد عبثي، يفتقر إلى أي قدر من المنطقية» تلحق به
فيصفعها، ويذهبان إلى بيتها
حيث تنفجر وتصمه «رجل شرقي ممتلئ بالأنانية والحقارة»
و «شرقي سخيف! كيس من العفونة!».
يتجاهل عمر إمعان كريستين في التمرد
الصاخب
بين ملاهي برلين «نافثة حقدها على
الرجل»، ويتصل ما انقطع بينه وبين كوني التي تعلم
بعلاقته مع كريستين، ويسوءها
أن عمر لا يزال طفلاً أو كيس شهوة، حتى إذا أنبأته
بحملها منه، ارتجّ أمام حقيقة
عودته مفرداً إلى الوطن الذي يحضر في ما تستثيره من
ذكريات عمر رسالة أهله منبئة
بولادة أخته الثالثة عشرة. وهنا تقطع السياق الروائي
قصة حسن النقم الذي يتجول في
برلين صاخباً داخل التجمعات اليمنية، على إيقاع الصراع
الدامي الذي شهدته عدن عام
1986. على أن قطع هذه القصة - كقصة الطفل عويضان
- للسياق الروائي يظل هيناً
إلى ما سيلي في الفصل الثالث المرموق بكامله على قصة
العجوز صبوح الذي تسبب له عمر
في طفولته بأذى مدمّر لا يزال يؤلمه.
في الفصل الرابع والأخير يذهب عمر
وكوني إلى
أسرتها في بوتسدام، وبعدها إلى
لايبزغ حيث يلتقيان بأصدقاء عمر القدامى، ومنهم من
هو في حزب البعث ومن هو في
الحزب الاشتراكي. ويملأ حضور كوني عمراً بالتميز أمام
أصدقائه بفضل هذه التي
«أشبعتْ بواعث غروري وذكوريتي التي أعتز بها من دون حدود».
لكن السؤال يمضّه، فاصطحابه
لها إلى الوطن «البعيد الشائه» كانفصاله عنها، اغتيال
للحب.
من قبل، وفي برلين، كان عمر قد بارك
علاقة
صديقه اليمني حنش بفكتوريا (الآرية
الحقيقية). وفي المقابل، دفعته علاقته بكوني إلى
القول: «ليس أشد إيلاماً على
الرجل الحقيقي من الوقوع في حب امرأة قوية متسلطة،
تدفعه ببرود رخامي للشعور
بالصغار والقزمية». وها هي كوني، حين يتوجهان إلى
بوتسدام، تراه استثناء
ومختلفاً عن غالبية أولاء القادمين من (هناك) بطموحاتهم
الكبيرة، ولكن الغريب أنكم
تعتقدون بأنكم فشلتم في العثور عليها هنا! والأغرب أن
اكتشافكم هذا غالباً ما يحصل
متأخراً جداً». وهذا ما صحّ على عمر أخيراً، إذ يختتم
الرواية باستذكاره من زمن
الوطن قصة (قرينه) التي صرعتها رصاصة ليلة عرسها، ثم
باستيهامه حلول كوني محل
قرينه، ومصرعها برصاصة.
لقد بدت كوني، ومن قبلها كريستين
شخصية
روائية نابضة، كما توافر مثل ذلك
لبعض الشخصيات الأخرى الثانوية، مثل والدي كوني
وكارينا وفكتوريا، ومن
اليمنيين: حنش. غير أن البناء الروائي جاء مختلاً، سواء جراء
القصص القصيرة والطويلة التي
تقطع السياق -ومعظمها يتعلق بالوطن - أم جراء السذاجة
في تنظيم ما يسترجعه عمر.
ولعل ذلك ما جعل الرواية تبدو ترجيعاً لبداية التعبير
الروائي العربي عن وعي الذات
والعالم، كما كان ترجيعها لعنفوان الذكورة الشرقية
وانكسارها، ولتأنيث الآخر
واستحالة اللقاء معه.

|