الرئيسية

خبابير

مدن

اتصل بنا

مقالات

صور


الرئيسية

خبابير

مقالات

اتصل بنا

مدن

كتب

صور

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

الفقيد سعيد محمد دحي

.. الميلاد والنشأة:سعيد محمد دحي من مواليد عام 1948م بمدينة المكلا عروس بحر العرب أو (فينيسيا) الشرق كما يحلو للحضارم وصفها وهم محقون في ذلك.

نشأ سعيد في بيت الأسرة تحت رعاية جده الشيخ المقدم عبدالله سعيد دحي. كتب علي سعيد الغريب، ابن عمة سعيد دحي في كتاب (التأبين) المكرس في ذكرى الفقيد سعيد دحي (ص 75-94)، والذي عاش في البيت نفسه أن جدهما الشيخ عبدالله كان يحلو له كثيراً اصطحابهما في روحاته وغدواته وخاصة إلى مسجد الروضة وكان (أي الشيخ عبدالله) رحمه الله عيناً من أعيان المكلا وشخصية مؤثرة في الوسط الشعبي عامة وتتسع دائرة تأثيره بين سكان حي الحارة، أكبر أحياء المكلا اكتظاظاً بالسكان في فترة الخمسينات من القرن الماضي (مرجع سابق).

التحق سعيد دحي بالمدرسة الابتدائية بالمكلا، حاضرة السلطنة القعيطية عام 1956م وبعد عام واحد بعد انتقاله إلى سنة ثانية ابتدائي بدأت شرنقة حبه للقراءة بالظهور وأكد هذه الحقيقة زميل دراسته وابن حيّهِ محمد سالم اليزيدي (مرجع سابق ص 49-56)، حيث كتب اليزيدي بأن سعيد دحي اصطحبه إلى المكتبة السلطانية، الصرح الثقافي الضخم واستقبلهما القائمون على المكتبة وهم لايزالون على قيد الحياة بحسب إفادة اليزيدي وهم: سالم حسن باعثمان وسالم سعيد ناصر ومحمد باجليدة، واختار أحدهما كتابين من سلسلة قصص الأنبياء وتوالت زيارتهما للمكتبة السلطانية.

كتب اليزيدي: صادفت البدايات فتح مكتبتين في المكلا 1- مكتبة الشعب للسيد علوي الصافي والمكتبة الوطنية للوالد أحمد سعيد حداد وكان الطفلان الشغوفان دحي واليزيدي يترددان على المكتبتين لشراء مجلات الأطفال وأشهرها حينئذ سمير وميكي، إلا أن اليزيدي استدرك بأن نسب الفضل في حب القراءة لديهما هو الأستاذ عمر مرزوق حسنون، أطال الله عمره.

دحي يغادر إلى السودان للدراسة الثانوية:

ورد في التفاصيل الشائقة لذكريات علي سعيد الغريب (مرجع سابق)، أن إدارة المعارف القعيطية أوفدت في العام 1964م سعيد دحي ضمن أفضل خمسة طلاب للدراسة الثانوية في السودان وكان دحي من الطلاب المتفوقين في اللغتين العربية والإنجليزية، وحدث في العام نفسه أن كتب دحي قصيدته الأولى (بلا شموع) واصطحب الغريب في عصر أحد الأيام لزيارة الراحل الكبير أحمد عبدالله بن طاهر باوزير مدرس اللغة العربية بالمدارس المتوسطة والثانوية إلى بيته ليعرض عليه دحي قصيدته وجاء تعليق الأستاذ باوزير:«هذه القصيدة تبشر بميلاد شاعر اكتملت له المعايير والضوابط الفنية للمسك بزمام الشعر وكتابته».

توسعت مدارك سعيد دحي أثناء تلقي دراسته الثانوية في السودان وانتفع كثيراً من المناخ الثقافي السائد في السودان آنذاك وشارك بفعالية في كافة النشاطات الطلابية وكان من القيادات الطلابية لرابطة الطلبة الحضارم الدارسين بالسودان آنذاك.

دحي والتجربة البكر لجامعة عدن:

عاد سعيد دحي إلى المكلا بعد إكمال دراسته الثانوية في السودان عام 1968م وعمل مدرساً في إعدادية البنين بالمكلا وكان في الوقت ذاته يعد برامج أدبية متميزة للإذاعة المحلية بالمكلا وتقرر بعد عامين افتتاح أول كلية جامعية وهي كلية التربية العليا HIGH ER COLLEGE OF EDUCATION بعدن عام 1970م ونال في العام 1974م درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية وآدابها.

عمل سعيد دحي مع زملاء آخرين بالكلية في مرحلة الدراسة على تأسيس جمعية بلقيس الأدبية التي استوعبت الطاقات الشابة المبدعة التي أثرت وتأثرت وقد حظيت تلك الجمعية برعاية وتوجيه الأديب والشاعر السوداني الكبير د. تاج السر الحسن، الأستاذ بالكلية آنذاك (الغريب - مرجع سابق).

دحي يترجم أحد أعمال المستشرق البريطاني (سارجنت):

عمل سعيد دحي عقب تخرجه عام 1974م بمركز البحوث التربوية بعدن ثم معيداً بالجامعة ومدرساً بكلياتها في كل من عدن والمكلا وتفرغ خلال الفترة من 1974م حتى 1979م للأدب والشعر والترجمة وكتب سلسلة مقالات ودراسات أدبية وشارك على نحو ملحوظ في فعاليات مع غيره من الأدباء والشعراء الشباب، التي شهدتها عدن آنذاك وتزامن ذلك مع استضافة عدن لكبار الأدباء والشعراء العرب.

في العام 1978م انتقل سعيد دحي إلى المكلا للتدريس بكلية التربية بالمكلا التي كان يتردد عليها بين الحين والآخر . انشغل سعيد دحي خلال الفترة بين عامي عمله بكلية التربية بعدن وكلية التربية بالمكلا بترجمة كتاب PROSE & POETRY IN HADRA MAUT للمستشرق البريطاني المرموق (روبرت سارجنت) الذي ارتبط بوجدان مشاهدي تلفزيون عدن في الحوار الممتع الذي أجراه معه الراحل الكبير لطفي جعفر أمان أثناء زيارة سارجنت لعدن والمكلا وبعض مناطق الجنوب العربي آنذاك.

في العام 1980م قام فرع المركز اليمني للأبحاث الثقافية بطباعة كتاب النثر والشعر في حضرموت الذي ترجمه سعيد دحي عن نصه الإنجليزي لكاتبه (سارجنت) وتم سحب الكتاب المترجم على آلة (الرونيو) في أبريل 1980 بشكل أولي بغرض تعميم الفائدة على القراء والمهتمين بالأدب في حضرموت كون الأدب في هذا البلد أو ذاك من العالم يعد تراثاً إنسانياً.

دحي مبدع ومن عائلة مبدعين:

وردت عدة إشارات في كتاب (التأبين) المكرس لذكرى وفاة سعيد دحي منها ما كتبه محمد عوض صالح (ص 95-103)، وعزيز الثعالبي (ص 63-70)، وعلي سالم اليزيدي (ص 104-107)، حيث أفاد الثعالبي أن سعيد دحي من أسرة فن ، فعمه الفنان يسلم عبدالله دحي وهو من الرواد الأوائل للأغنية الحضرمية المتوفى في أغسطس 1993م وأحد الذين ألبسوها ثوباً قشيباً من حيث الأداء واللحن، إلا أنه لم يتخذ من الطرب حرفة له فهو لا يحب السهرات العامة، ولا يحب التواجد في أي مكان عملاً بمقولة: «إذا أسرفت في الوجود أصبحت بلا وجود» ومن هذه الأسرة عبدالله سالم دحي (ابن عم المطرب يسلم دحي) وأطلق عليه لقب (مقدم الحي) الذي اشتهر بتقديم رقصة العدة ورقصة الشبواني وقد ورد في مداخلة علي سعيد الغريب (ص 78) أن الأديب الراحل الأستاذ محمد عبدالقادر بامطرف وصف صالح سالم دحي بأنه صاحب أجمل صوت يشدو بألحان الدان وأغاني الشبواني في الساحل الحضرمي.

أما علي سالم اليزيدي فقد تحدث عن علاقته بسعيد دحي التي بدأت من خلال مجلة (الجندي) التابعة لوزارة الدفاع بعدن وكان اليزيدي يعمل في صحيفة (الشرارة) ومراسلاً للجندي في عهد طيب الذكر أحمد سالم الحنكي وكان اليزيدي وسعيد دحي ومحمد عبدالمطلب جبر وحمزة هب الريح وعلي عمر الصيعري مساهمين بنتاجاتهم في (الجندي).

مداخلة محمد عوض صالح تطرقت إلى إبداع سعيد في الفرقة الشعبية للفنون المسرحية بالمكلا التي قدمت رائعتها مسرحية (قرقاش) للشاعر الفلسطيني سميح القاسم على مسرح السينما الأهلية بالمكلا والتي أضفى عليها سعيد دحي بنفحات من إبداعه عندما وضع الألحان الموسيقية للمسرحية.

سعيد دحي واغتراب جغرافي في دولة الإمارات:

غادر سعيد دحي أرض الوطن في نوفمبر 1979م إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وعمل هناك بالصحافة محرراً ومترجماً ثم سكرتيراً لمجلة (الدفاع الخليجي) حتى وفاته وكان، رحمه الله يتردد على المكلا بين حين وآخر ، آخرها رحلته الوداعية للمكلا في أغسطس 1999م.

سعيد دحي في موكب الخالدين

انتقل سعيد دحي إلى رحمة ربه يوم الثامن من شهر رمضان 1421هـ الموافق الثالث من ديسمبر 2000م إثر نوبة قلبية حادة في مقر إقامته في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة.

 

سعيد محمد دحي .. قصيدة لم تكتمل

د. سعيد الجريري:

لأنه الشفيف كقلب الفجر، ولأنه الكثيف كغابة الأحلام، لم يطق سعيدٌ أن يرى أمداء بهجته تهجع كالنسيان، كان نورساً رأى التحليق بعيداً عن الشاطئ الأليف، يُدنيه من ألفته الطفولية كابتسامته، فحلق بعيداً وظل قريباً قريباً، لعله كان يرى صورته تتماهى في رموز أحبّها، فكان صدى لها أو حاكاها موقفاً وإبداعاً.

سعيد محمد دحي (1948-2000) ابن المكلا التي ملكت عليه كل نبضة وهجسة وهمسة ونسمة شوق وحنين. كان يعد، مبكراً، بوعود، كان كل شيء يقول إنه منجزها، وكان يعدُّ أحلامه للآخرين غير آبه، إلا بصفاء الروح وانسرابه في حميمية جمالية، لا تفقه للمهادنة لغة ، أو علامة.

تعود ذكراه، كما في كل عام، منذ أن غادر هذا العالم في 3 ديسمبر 2000م، لتعيد إلينا سعيداً الجميل روحاً وإبداعاً، فنأسى لأن سعيدا مات في الغربة، وهو العاشق الدنف لوطن جميل أعلاه، فإذا هو أسطورته، أو (يوتوبياه) المستحيلة، كـ(يوتوبيا) الشاعر الحبيب إليه بدر شاكر السياب الذي مات غريباً مثله، ولم يمش خلف جنازته محبوه، ومشى خلفه المطر الذي كتب أنشودته الخالدة. مات في غربته كالأديب الحبيب إليه وابن وطنه، على أحمد باكثير، الذي أعلى وطنه وأمته بأدب راق، وألق متجدد.

أكان قدر سعيد أن يخطو على درب باكثير، فيلوذ بالغربة ، تؤنسه إذ ضاق الوطن برؤاه، وإذ انغلق الأفق أمامه؟ ربما.. لكن المفارقة أن سعيداً نعى على باكثير لجوءه ألى المهجر والاغتراب، ثم لما ضاق به الدرب لم يختر غير درب باكثير. وهو - أعني سعيداً- الذي كتب قصيدة يرثي بها باكثير في نوفمبر 1969م بعد أيام من وفاته، وحدا فيها حدو باكثير في ريادته للشعر غير البيتي، قصيدة لم تنأ عن تجربة باكثير، ولم يضع عنواناً مناسباً لها أفضل من باكورة أعمال باكثير المسرحية (همام أو عاصمة الأحقاف) مع بعض التغيير (همام في بلاد الأحقاف).

وبروح الشباب الطامح إلى التغيير ذهب سعيد يرسم لـ (همام) صورة البطل المنقذ المخلص: (همام في بلاده يصارع الأخطار/ يسمع كل يوم صفارة الإنذار/تهوله خطورة الطريق/فيمسك السكان والفرامل/ ويوقف المسير).

ولم يكن يرى الخلاص فردياً، بالهجرة، وإخلاء الساحة، لذلك لم ير في هجرة باكثير حلا، بالرغم من إدراكه قسوة الأزمات التي واجهها في مجتمعه وصعوبات التغيير على المستوى العام، وانفتاح الآفاق -على المستوى الخاص - أمام أديبنا الكبير في مهجره بمصر، فجعلته يحلق في قمم إبداعية، ما كان لها أن تتفتح لو بقي في ربوع الوطن . يقول في القصيدة نفسها عن رمزه (همام):

(السندباد عاد للأسفار/ لكنه على مدى قريب/ يرقب من بعيد/ وا أسفا عليك ياهمام/ وقفت في منتصف الطريق).

وتمضي السنون، ويجد (همام) نفسه مرغماً على الوقوف في منتصف الطريق!! أهو قدر هذه النوارس أن تهاجر؟ وإلى متى؟

أهو قدرها أن تنوح في الغربة، ويشعلها الحنين، فتكتب مراثي العمر، وتحلم بدرب الوطن البعيد؟ ألم ينح سعيد ألما، يناشد طيور المنى وصادحات الأغاني أن تشد رحاله: (إلى حيث يقبع دربي/ على الجسر/ في وطني حضرموت/ هنالك حيث دمي ليس يصدأ/أو يتخثر في الرمل/ بل ينتمي للبراءة والطين).

ويعلو نشيج الحنين، ويعلو، ويعلو:

(هنالك على ساحة من وطن/ تطاول رأسي وأزهر قلبي../ فيا صادحات الأغاني وطير المنى/ ارفعي خطوتي من هنا/ واحمليني إلى وطني حضرموت).

أكان سعيد دحي يستشعر مصير الغريب؟ أكان يخاف الموت غريباً بعيداً عن وطن تجتليه الأغاني؟ ألم يكن في ما كتبه عن باكثير والسياب وموزارت، يحيل إلى سعيد نفسه؟

كتب سعيد في ذكرى وفاة السياب، فذكر ليلة رحيل موزارت التي هبت فيها عاصفة فلم يشيعه إلا عدد قليل جداً ، فدفنه الحانوتي في مكان ما بين زحام القبور، ولم يستطع تحديد مكانه في اليوم التالي، لذلك أصبح القبر مجهولاً حتى اليوم.

وقال عن السياب: «وربما كان هذا عين ما حدث للشاعر الكبير بدر شاكر السياب الذي مات بعيدً عن مسقط رأسه.. وجيء به في ليلة ممطرة.. شهدت مأساة عائلته التي وجدت نفسها بلا مأوى، في بيت الجيران، وجاء النعش الذي حمل الرجل الذي أحب بلاده وشعبه واحترق من أجلهما.. جاء النعش ليستقر في مسجد قريب إلى حين دفنه، ثم لم يشيعه سوى أربعة رجال خامسهم المطر الذي خلده السياب بأروع قصيدة معاصرة».

لكن سعيداً لم يأت نعشه، ولم يصل عليه في مسجد عمر، ولم يوسّد في (يعقوب) فيودعه الشارع الذي درجت قدماه عليه، ونقش على جدرانه ذكريات بهية!

ولست أدري لماذا يلح عليّ مصير المنافي فأذكر غربة الجواهري والبياتي اللذين رحلا من دون أن يكحلا عيونهما بالكرخ والرصافة ودجلة والنخيل!! وأذكر غربة الشاعر الجميل سعدي يوسف الذي غادر المدن التي أحبها (البصرة وبغداد وبيروت وعدن وباريس)، مكرهاً، ولما يزل في غربة المنفى يحلم بالوطن الجميل البعيد البعيد!

سعيد دحي من أولئك، منذ امرئ القيس جده الحضرمي القديم الذي بكي صاحبه لما رأى الدرب دونه، فقال: نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا.. ومالك بن الريب وابن زريق البغدادي، وكل غريب للغريب نسيب.

 

 

 


تصميم مسعود عمشوش