VILLES ARTICLES FRANCAIS HOME PHOTOS LIVRES

 

 المثاقفة: أبرز آليات حوار الحضارات

لقد بات من الواضح أن مفهومي حوار الحضارات - وصراعها – يتربعان اليوم المرتبة الأولى بين المفاهيم التي وُضعت للدلالة على العلاقات المختلفة بين الشعوب والأمم والحضارات كافة. لكن رواج هذين المفهومين اليوم ينبغي أن لا ينسينا حقيقة أن العلاقات المتنوعة قد نشأت بين الأمم والحضارات منذ أقدم العصور، وأطلقت عليها أسماء مختلفة مثل: الأخذ والنقل والمحاكاة والتأثر والتأثير. ومن المعلوم أن تلك العلاقات القديمة، تحت هذه الأسماء وغيرها، قد دفعت العلماء في القرن التاسع عشر إلى الاستخدام الواسع للمنهج المقارن لدراسة مختلف ميادين العلوم والفنون والمعرفة إذ تبيّن لهم أن هذه العلوم والمعارف والفنون هي في الحقيقة من إسهام الأمم جميعها وأن دراستها تستدعي تتبع أبعادها في مختلف الحضارات. وقد ظهر حينئذٍ عدد من العلوم المقارنة في مختلف التخصصات مثل علم القانون المقارن وعلم الطب المقارن وعلم اللغة المقارن. ومن بين تلك العلوم برز علم الأدب المقارن الذي، بعد أن كان يتناول علاقة التشابه والتأثر والتأثير ثم العلاقات بين الأدب من ناحية وبقية ميادين المعرفة الأخرى من ناحية أخرى، أصبح يعنى بدراسات الترجمة والاستقبال والاستشراق والاستغراب وأدب الرحلات وصورة الآخر، و منذ سنوات قليلة أختزل معظم ميادين البحث في الأدب المقارن في حقل واحد شامل أطلق عليه: "المثاقفة".

 

ونحن إذا سلمنا، في هذه الظروف، بأهمية الحوار بين الحضارات ينبغي أن نتساءل عن الكيفية التي يمكن أن تتحاور بها الحضارات، أي عن كيفية تجسيد ما نطلق عليه اليوم: "حوار الحضارات". وفي اعتقادي أن قرارات الأمم المتحد أو الدول والمؤسسات الرسمية أو حتى الندوات وحلقات النقاش لن تكون هي الآلية المناسبة لتجسيد الحوار الفعلي بين الحضارات. بل أن التفاعل الثقافي بين الأمم والشعوب هو الآلية التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام والدراسة. ولهذا نرى علم "الأدب المقارن" الذي أضحت المثاقفة - كما ذكرنا- أهم ميادينه البحثية، يمكن أن يضطلع بدور كبير ومهم في دراسة أهم آليات حوار الحضارات وتوجيهها.

 

تعريف المثاقفة وأهميتها:

في الأصل المثاقفة هي عملية التغيير أو التطور الثقافي الذي يطرأ حين تدخل جماعات من الناس أو شعوب بأكملها تنتمي إلى ثقافتين مختلفتين في اتصال وتفاعل يترتب عليهما حدوث تغيرات في الأنماط الثقافية الأصلية السائدة في الجماعات كلها أو بعضها. والمثاقفة، بعكس الغزو الثقافي الذي يتضمن في طياته الرغبة في محوَ الآخر وإلحاقَه وفرضَ التبعية عليه، ومعاملته بنظرة فوقية عدوانية متغطرسة، تقوم على الندّية والاحترام والتسامح والاعتراف بخصوصية الآخر واختلافه، وفي إطارها تتفاعل الجماعات والشعوب وتتواصل بهدف الاغتناء المتبادل. لهذا فهي تفترض الثقة والرغبة في التواصل والتقدم والتطور واكتساب العلم والمعرفة. وإذا كانت الشعوب تسعى سعيا تجاه المثاقفة فهي ترفض أشكال الغزو الثقافي كافة. وقد عبر المهاتما غاندي عن ذلك قائلاً: " إنني أفتح نوافذي للشمس والريح، ولكنني أتحدى أية ريح أن تقتلعني من جذوري".

لهذا فالمثاقفة في هذا المعنى تعد رافداً مهماً تسعى كل أمةٍ من خلاله إلى معرفة الآخر واسثمار ما لديه من قيم ومعطيات إنسانية وحضارية، وإلى تنمية كيانها الثقافي بشكلٍ خلاق وغير مضر بمقومات الهوية القومية وثوابتها.

 

ومن هذا المنطلق يُعد "حوار الثقافات"، أي المثاقفة، ضرورة حيوية لمختلف لشعوب والحضارات. ونحن حين ننظر إلى مسار الحضارة العربية الإسلامية نتبيّن أنها لم تبلغ أوج ازدهارها إلا عندما نجحت في التفاعل والتثاقف مع بقية الحضارات التي انفتحت عليها. وقد أكد القرآن على أهمية التعارف بين مختلف الشعوب. فنحن نقرأ في سورة "الحجرات": (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم). كما أنه من المعلوم أن العرب قد شرعوا منذ حكم خالد بن يزيد بن معاوية في القرن الأول للهجرة في الانفتاح على الثقافات الأخرى وترجموا منها ونقلوا عنها كثيراً من العلوم. وقد قام الخليفة العباسي المأمون بتنظيم حركة الترجمة تلك.

وبالإضافة إلى ذلك، تكتسب المثاقفة أهمية علمية وإنسانية في حياة الفرد، لأنها تنمّي معرفته بالآخر. وقد بيّنا في بحث عن "تدريس اللغات الأجنبية؛ بين ضرورة الانفتاح على الآخر وضرورة ترسيخ قيم الانتماء والهوية" أنّ معرفة الآخر ضرورية ليتعرف الفرد على ذاته مقومات هويته بشكل أفضل وأكمل.

ومن ناحيةٍ أخرى تُعد المثاقفة وسيلة فعالة لتنمية روح الثقة والتسامح بين الأفراد والجماعات، فهي تزيل كثيراً من الأوهام والأمراض والمخاوف. وتساعد أيضاً على خلق تواصل وتفاهم أفضل بين الشعوب، وعلى تفعيل القواسم المشتركة بينها، مما يؤدي إلى إزالة بؤر التوتر والعداوة التي غالباً ما يغذيها التقوقع والانعزال الجهل بالآخر والأحكام المسبقة والسلبية عنه. وكل ذلك يمكن أن يؤدي إلى التقارب بين الحضارات واستبعاد كل ما يمكن أن يؤدي إلى صدامها.

 

موقف المثقفين العرب من المثاقفة:

من الملاحظ اليوم أن موقف المثقفين والمفكرين العرب تجاه المثاقفة يتسم بالتباين والحذر الشديد. فهم حين يعترفون بأهمية المثاقفة والانفتاح على الآخر وثقافته، يؤكدون في الوقت نفسه على ضرورة التمييز بين مفهوم المثاقفة الذي يعني التفاعل المتكافئ والاحترام المتبادل بين مختلف الثقافات والشعوب وبين مفاهيم أخرى قريبة منه مثل التبعية والغزو والاستلاب الثقافي والعولمة الثقافية والخصوصية الثقافية والغربنة والأمركة. نجد هذا التمييز مثلاً في كتابات المفكر  محمد عابد الجابري الذي يكرس جزءاّ كبيراً من كتابه (مسألة الثقافة) لقضايا التبعية الثقافية والاختراق الثقافي. وكذلك المثقف د. علي عقله عرسان الذي يقول في كتابه (المثقف العربي والمتغيرات): "نحن مع المثاقفة التي تقوم على أساس من الثقة والاقتدار بأوسع صيغها وأعمق تلك الصيغ وأشملها، ولا نرى في التقوقع أي خير كما لا نرى خيراً في تبعية من أي نوع، لاسيما التبعية الثقافية. ولذا فإننا نرفض سياسات الانغلاق كما نرفض سياسات الإلحاق والغزو والمحو الثقافي، ونتصدى لها، وندعو إلى وضع الخطط والإمكانيات اللازمة لذلك بدءاً من تحصين الوعي الثقافي القومي على جميع المستويات".

أما الدكتور عبدالله أبو هيف فقد استبعد من دراسته حول (الغزو الثقافي والمفاهيم المتصلة به) مفهوم المثاقفة، وقام برصد مختلف المفاهيم الأخرى التي تدلل على الاتجاه السلبي الذي تسير فيه العلاقات الثقافية القائمة بين الشرق والغرب. فمن بين أبرز المفاهيم التي يقدمها عبد الله أبو هيف في دراسته تلك، بالإضافة إلى الغزو الثقافي: الاستقطاب والتبعية والتغريب والتنميط والتغطية. وينهي أبو هيف دراسته بتوجيه نقد لمفهوم المثاقفة قائلاً: "ولا يزال أمر الغزو الثقافي محيراً لدى الكثيرين؛ إذ لا ترى فئة من الناس أنه غزو، فتختار له تسميات أخرى، وتهون فئة أخرى من شأنه على أن الحديث عنه وعن مخاطره ألعوبة أو وهم، بل إن فئة ثالثة تدعو له سبيلاً للمثاقفة، وهؤلاء يهونون أيضاً من أمر المثاقفة، فلا يجدون فيها تأثير ثقافة غازية قاهرة في ثقافة مغزوة مقهورة، وإنما يعدون المثاقفة تلاقحاً معرفياً وحضارياً يعزز التواصل بين (تراثات) الإنسانية، ويغنيها، ويوردون حججاً لا نهاية لها عن العلاقات الثقافية بين الشعوب، واستكمال شروط النهضة أو التقدم، وهل علينا أن نذكر الخلاف القائم حول الحملة الفرنسية على مصر؛ هل كانت نعمة أم نقمة؟ فهناك من يتباكى على خروج المستعمر من بلاده!"

ودون أن ننكر وجود عدد من المحاذير التي ينبغي التنبه لها عند دعوتنا إلى الاستمرار في التواصل مع الآخر، والتحاور معه، والانفتاح على ثقافته، نرى أنه بإمكاننا تجنب عدد من تلك المخاطر إن نحن استطعنا تفعيل السمات المميزة في ثقافتنا، وإن نقرأ الثقافات الأخرى برؤية نقدية وموضوعية لا تتردد، عند التفاعل معها،  في رفض السلبي منها والاستفادة من الايجابي فيها. وقد سبق أن ذكرنا في بحثنا عن "تدريس اللغات الأجنبية؛ بين ضرورة الانفتاح على الآخر وضرورة ترسيخ قيم الانتماء والهوية" أنّ أحد أهم المحاذير التي ينبغي التنبه إليها عند دراسة الانفتاح على ثقافة الآخر يكمن في تحول المقارنة بين ثقافتنا وثقافة الآخر إلى مفاضلة، ويتم الربط بين التطور الصناعي والتكنولوجي وقيم الهوية والتطور الثقافي. فدارس اللغات الغربية يلمس دون شك الضعف الذي تعاني منه الأمة العربية اليوم في كثير من الجوانب. ولولا إدراكه الشديد لقيم انتمائه وهويته يمكن أن نخشى تحول المثاقفة لديه إلى ازدواجية ثقافية تمهد لهيمنة ثقافة الآخر وإزالة الثقافة الوطنية تحت مبرر التحديث والتطور مثلما زعم هنتجتون الذي يرى أنه "يتعيّن على المجتمعات غير الغربية، إذا هي أرادت أن تتحدث، أن تتخلى عن ثقافاتها الخاصة وتتبنى عناصر الثقافة الغربية الجوهرية".

وأخيراً يمكن أن نشير إلى أن الباحثين في إطار الأدب المقارن الذين يحاولون تطوير المنهجية التي يقوم عليها علمهم قد تصدوا قبل غيرهم لكثير من الإشكاليات التي تفرزها ظاهرة المثاقفة. ففي دراسة قصيرة عن "الأدب المقارن في عصر العولمة" اقترح د. صلاح السروي أن يركز المقارنون على دراسة مفهومي الثقافة الوطنية والهوية الوطنية، ودراسة مفهوم المثاقفة القسرية وآلياتها، ومفهوم المثاقفة الطوعية وبدائلها. أما الأستاذ عزالدين المناصرة فقد حاول الكشف عن الطابع الأيديولوجي والاستعلائي/الاستلابي للمثاقفة بين الشرق والغرب، وذلك في كتابه (المثاقفة والنقد المقارن- بيروت سنة 1995)، والذي يقول فيه: "ظل الغرب في كل هذه المراحل يتثاقف مع الشرق مثاقفة استلابية مع تنوع أشكال هذه المثاقفة. لكن المفهوم الأوروبي للمثاقفة ظل استعلائياً.. ولم تأخذ المثاقفة شرق-غرب سوى شكل واحد هو الإخضاع من طرف والقبول بالخضوع والتلذذ به من الطرف الآخر". وتجدر الإشارة إلى أن الأستاذ المقارن ادوارد سعيد قد تناول الموضوع نفسه منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي.

 ومن كل ذلك يمكننا أن نلمس أن التركيز على دراسات آليات المثاقفة يمكن أن يساعد المقارنين العرب على الكشف "المبكر" عن كثير من المخاطر التي يمكن أن ينطوي عليها انفتاحنا الضروري والحيوي على الآخر وثقافته، وكذلك فضح الطابع السياسي الذي ينطوي عليه "انفتاح" الغرب على ثقافتنا الشرقية والعناصر الأيديولوجية التي يتضمنها خطابه الاستشراقي.

 

 

تصميم مسعود عمشوش