VILLES ARTICLES FRANCAIS HOME PHOTOS LIVRES

 

تدريس اللغة الأجنبية في مرحلة التعليم الأساسي

د. مسعود عمشوش*

لقد اتخذت وزارة التربية والتعليم في بلادنا قرارا باستنهاج مادة اللغة الإنجليزية من المستوى الرابع من التعليم الأساسي. وهذا يعني أن التلاميذ سيشرعون في تعلم لغة أجنبية أولى قبل بلوغهم سن العاشرة. وإذا كان هناك من يتحفظ على تدريس اللغات الأجنبية من هذه السن المبكرة ويرى فيه مصدر خطر لغوي وديني بل وقومي فالمختصون يجمعون على أهمية تعلم اللغات الأجنبية حتى مع التحاق الطفل بالدراسة مباشرة. ويؤكدون أهمية التأسيس اللغوي في مراحل العمر الأولى، حيث تكتسب المهارات اللغوية في الصغر بسهولة وتلقائية. ولا يرون أن هناك تعارضا مع تعلم اللغة الأم كما يعتقد بعض الآباء.  وقاموا برصد لبعض تجارب تدريس اللغة الإنجليزية من المستوى الأول من التعليم الأساسي خلصت إلى أن التلاميذ العرب الذين درسوا اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية لم يتأثر مستوى تعلمهم للغتهم العربية سلبا. بل أن اللغويين يرون أن تدريس اللغات الأجنبية يمكن أن يساعد التلميذ على الإدراك العلمي والفهم السريع للتراكيب اللغوية التي لا يستطيع أن يستوعبها بيسر خلال تعلمه للغته الأم والتي يكتشفها بسهولة من خلال مقارنة لغته باللغة الأجنبية. ومما لا شك فيه هو أن قدرات التلميذ العقلية والنفسية والجسمية في سنوات التعليم الأساسي مهيأة لتعلم أكثر من لغة في وقت واحد، وأثبتت بعض الدراسات أن الطفل الصغير يتمتع بمقدرة خاصة لاكتساب اللغة الأجنبية مثلما يكتسبها أهلها، و"هذه المقدرة معتمدة على مركز في المخ يعنى باكتساب اللغات، وتتوقف مقدرته بعد مرحلة البلوغ، ويصبح تعلم اللغة مثل تعلم أية مهارة أخرى أي إنه يكون أصعب"

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يساعد تعلم اللغة الأجنبية في مدارس التعليم الأساسي –إن هو طبق بشكل علمي مدروس – التلاميذ على توسيع مداركهم وثقافتهم، وعلى التحاور مع أبناء الشعوب الأخرى والتعرف إلى عدد أكبر من الحضارات الإنسانية. ومن المؤكد أن الاطلاع على الثقافات الأخرى – لاسيما في إطار المدرسة- لا ينطوي على أي محاذير أو خطر على قيم الدين والانتماء والهوية. وقد توصلنا في دراسة قمنا بها سنة 2002 حول (تدريس اللغات الأجنبية بين ضرورة الانفتاح على ثقافة الآخر وترسيخ قيم الانتماء والهوية؛ حولية كلية الآداب، جامعة عدن، العدد الأول) إلى أن تعلم اللغة الأجنبية يعد ضروريا للتعرف  على الآخر وحضارته والتحاور معه بشكل ندي. وبيّن لنا الجانب التطبيقي من الدراسة عدم وجود أي تعارض بين

الاطلاع على ثقافة الآخر من خلال تعلم لغته وترسيخ قيم الانتماء والهوية لدى الطلبة. وقد أوصينا في نهاية تلك الدراسة بالاهتمام كذلك بتدريس اللغة الأم وتطويره وتخصيص ساعات للثقافة العامة والتربية المدنية يتم خلالها تحصين الطلبة من الغزو الثقافي الذي يتعرضون له يوميا خارج الصفوف وفي مختلف مناحي الحياة.

ومما يؤكد صواب القرار الذي اتخذته وزارة التربية التعليم باستنهاج مادة اللغة الأجنبية من المستوى الرابع من مرحلة التعليم الأساسي حقيقة أن الفارق الواضح والأساسي بين المدارس الأهلية التي يصر كثير من الميسورين والمسؤولين على إلحاق أبنائهم بها وبين كثير من المدارس الحكومية التي استطاعت اليوم أن تكتسب إدارات نموذجية هو تدريس اللغة أو اللغات الأجنبية. فمعظم المدارس الأهلية تستخدم تعليم لغة أجنبية أو أكثر من الصف الأول وسيلة جذب وترويج لنفسها.

وقد يكون من المناسب هنا أن نشير إلى أن تقديم استنهاج اللغة الأجنبية ثلاث سنوات دراسية يترتب عليه ضرورة الإسراع في توفير عدد أكبر من المعلمين المؤهلين.  أما فيما يتعلق بالمنهج الدراسي  ففي اعتقادي أنه يمكن البدء بتدريس كتاب (كرسيانت) رقم 1 نفسه (Crescent 1) الذي يدرس حاليا في المستوى السابع. فهو لا يزال حديثا ومقبولا وقد أعد خصيصا للتلاميذ اليمنيين، وهو أفضل من بعض الكتب التي تستخدم في بعض المدارس الخاصة. وهذا لا يعني بالطبع أنه لا ينبغي تقييم تجارب المدارس اليمنية الخاصة في تدريس اللغات الأجنبية بغرض الاستفادة من الجوانب الإيجابية فيها وتجنب سلبياتها.

وعلى الرغم من أننا لا نرى بأسا في أن تكون اللغة الإنجليزية هي اللغة الأجنبية الأولى التي تدرس للتلميذ اليمني وذلك بسبب حاجته إليها للتعرف على التقدم المعلوماتي والتقني فنحن نؤكد  على ضرورة الاهتمام بتدريس اللغات الأجنبية الأخرى بما فيها الشرقية، وبالتالي النظر في تعميم تدريس لغة أجنبية ثانية في المدارس الثانوية الذي يتم تطبيقه حاليا في عدد من المدارس الثانوية الحكومية في صنعاء وعدن وتعز.

 

*  رئيس قسم اللغة العربية، كلية الآداب – جامعة عدن

·        نُشِرت المقالة  في صحيفة الثورة بتاريخ 14/9/2004

 

 

تصميم مسعود عمشوش