VILLES ARTICLES FRANCAIS HOME PHOTOS LIVRES

 

طه حسين ومبدأ المقايسة

د. مسعود عمشوش

 

يُعدّ الدكتور عبد الله إبراهيم واحداً من النقاد العرب القلائل الذين، من خلال المزج بين الفلسفة والأدب واللغة والعلوم الإنسانية الأخرى، يسعون إلى الارتقاء بالنقد من كونه ممارسة أدبية غايتها تحليل النصوص واستنطاقها وتأويلها إلى جعله ممارسة فكرية تسعى إلى تفكيك الظواهر الثقافية بشكل عام وإبراز مكوناتها ومنطلقاتها وأهدافها وتناقضاتها وأثرها في مسار الفكر والثقافة. وكان هذا الناقد والمفكر العربي، بعد أن نشر في مطلع التسعينات أطروحته للدكتوراه في كتاب" السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي" قد عكف على بلورة مشروع طموح لا يكتفي فيه بالنظر في النصوص بل يعمد إلى وضعها في سياقاتها المعرفية وأفق تلقيها، وذلك ضمن كتاب موسوعي يتكون من ثلاثة أجزاء: (المطابقة والاختلاف). في الجزء الأول منه (المركزية الغربية: إشكالية التكوين التمركز حول الذات) يقوم المؤلف بنقد ظاهرة التمركز الغربي وكشف مصادره وظروفه التاريخية ومراميه. وفي الجزء الثالث (المركزية الإسلامية: مركزية الإسلام في القرون الوسطى وصورة الآخر) يدرس بعض مظاهر المركزية الإسلامية في القرون الوسطى.

أما في الجزء الثاني، الذي سنقوم بتقديمه في السطور الآتية، والذي نشره تحت عنوان: (الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة) يتناول عبد الله  إبراهيم ظاهرة امتثال الثقافة العربية الحديثة لنماذج غربية أو "ماضوية". فهو بعد أن يؤكد في المقدمة على "أنّ الثقافة العربية الحديثة أصبحت ثقافة "مطابقة" وليست ثقافة "اختلاف"، يميز بين نوعين من المطابقة يمكننا أن نلمسهما بيسر في واقع الثقافة العربية اليوم: مطابقة الآخر الغربي وهو اغتراب في المكان، ومطابقة الماضي التراثي وهو اغتراب في الزمان.

وقد أشار الدكتور عبد الله إبراهيم في مقابلة نشرتها مجلة (الرافد) الإماراتية في عددها الخمسين (2001) إلى اهتمامه المبكر بالعلاقة بين الثقافتين الغربية والعربية، ويرى أنها علاقة ملتبسة وفاعلة، و"ذلك أنها حددت أنظمة التفكير ومرجعياته وأنساقه في ثقافتنا الحديثة، وعولجت بمنظورات مختلفة وأحياناً متناقضة. وقد تبيّن أن اتجاهاً واحداً يحكم تلك المنظومات بشكل عام ومؤداه التطابق مع معطيات الثقافة الغربية. وهو في حقيقته لا يختلف عن الاتجاه الآخر الذي يقول بالتطابق مع الماضي ومرجعياته".

وإذا كان عبد الله إبراهيم لا يهتم في الجزء الأول من كتابه (المطابقة والاختلاف) إلا بالكيفية التي تشكلت بها أسس ثقافة المطابقة، فهو في الجزء الثاني يقدم بعض تجليات تلك الثقافة في ميادين المناهج والمفاهيم والرؤى والأحكام النقدية. وأولى تلك التجليات تتعلق بتفكيك مبدأ المقايسة عند طه حسين.

فخطاب طه حسين النقدي، لاسيما في دراسته للشعر الجاهلي، لا  يعتمد في ممارسته على رؤية أو منهج ينبع من السياق الحضاري والثقافي الذي أفرز الدراسة بقدر ما يستند إلى ما أنتجه سياق آخر ينطلق في نظرته إلى الأدب من مرجعيات خاصة به وتدعم غاياته التي لا تتقاطع بالضرورة لا مع  الموضوعية ولا مع المعطيات الحقيقية التي تقدمها النصوص التي يتم تناولها. ويبيّن عبد الله إبراهيم  كيف أن مبدأ "المقايسة" في خطاب  طه حسين يكشف عن "آلية تشتغل ضمن نظام شبه ثابت؛ فما إن تُطرح قضية ما في الأدب والفكر، إلا ويصار البحث عن نظير لها في الفكر الغربي، سواء كان حديثاً أو قديماً. وتجرى مضاهاة ومقارنة بين الموضوعين، ويصار إلى تثبيت القضية أو نفيها في ضوء ثبات أو نفي القضية الأخرى. فكل شيء يقرر صوابه بمقدار مناظرته لما هو يوناني أو روماني أو أوروبي سواء كان ذلك في قضية البحث الأدبي والفكري والتاريخي أو في قضية التعليم والتربية أو في القضايا الاجتماعية والسياسية".

ويحاول عبد الله إبراهيم أنْ يثبت أنّ قراءة طه حسين للتراث العربي لم تقف عند حدود البحث عن المطابقة أو المقايسة أي المماثلة بين الموضوعات الشرقية والغربية وإنما تتجاوز ذلك إلى "الامتثالية، وثمة فرق لا يخفى بين المماثلة والامتثال. في الحالة الأولى يمكن أن يعنى البحث في أمر المقارنة بين الظواهر الفكرية والتاريخية، ويدرسها ويحللها، ويقدم تفسيراته بشأنها، وهو أمر شائع يندرج في حقل الدراسات المقارنة بشتى أنواعها، أما الحالة الثانية فتنطلق من مبدأ المقايسة الذي تمتثل فيه ظاهرة ما لها شرطها وخصوصيتها، لأخرى مختلفة من ناحية الخصوصية والشرط. ليس هذا فحسب، إنما إسقاط تفسير وتعليل يتصلان بتلك الظاهرة على الظاهرة المدروسة، الأمر الذي يفرض نوعاً من امتثال الظواهر وأسبابها لظواهر أخرى لها أسبابها المختلفة. ومن الواضح أن طه حسين يقدم أكثر من برهان على هذه القضية، جاعلاً "النموذج الغربي" هو المعيار الثابت في القياس. وينبغي تبعاً لذلك "للنموذج الشرقي" أن يمتثل له، لكي تثبت شرعيته، وتقر نتائجه".

وبالإضافة إلى ذلك يرصد عبد الله إبراهيم وجود سلسلة كبيرة من التناقضات في الأحكام التي أصدرها طه حسين أثناء قراءته للتراثين العربي والغربي، ويعزو تلك التناقضات لخضوع جانب من كبير من البحث الفكري والنقدي لعميد الأدب العربي لمبدأ "المقايسة".  ويمثل الباحث على ذلك من خلال عرض طريقة طه حسين في تناول عدد من الشعراء الجاهليين. فمن المعلوم أن طه حسين لم يتردد في كتابه (قادة الفكر) الذي أصدره قبل سنة واحدة من نشر كتابه (في الأدب الجاهلي) في إعلاء مكانة امرئ القيس وذلك حين "يقايس" بين مرحلة البداوة اليونانية ومرحلة البداوة العربية قائلاً: "الشعر هو أول مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية القومية لكل الأمم المتحضرة التي عرفها التاريخ. وإذن فالشعراء هم قادة الفكر في هذه الأمم؛ تأثروا بحياتها البدوية، فنشأوا ملائمين لها؛ وتميزت شخصياتهم فأثروا فيمن حولهم، ثم في الأجيال التي خلفتهم. وهل كانت توجد الحضارة اليونانية التي أنشأت سقراط وأرسطاطاليس والتي أنشأت إسكولوس وسوفكليس والتي أنشأت فدياس وبيركليس لو لم توجد البداوة اليونانية التي سيطر عليها شعر هوميروس وخلفائه؟ وهل كانت توجد الحضارة الإسلامية، التي ظهر فيها من ظهر من الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال، لو لم توجد البداوة العربية التي سيطر عليها امرؤ القيس والنابغة والأعشى وزهير وغيرهم من هؤلاء الشعراء الذين نبخسهم أقدارهم ولا نعرف لهم حقهم؟"

وإذا كان طه حسين قد جعل، في (قادة الفكر) من امرئ القيس "هوميروس العرب"، فهو في كتاب (في الشعر الجاهلي)، الذي صدر - كم ذكرنا- بعد سنة واحدة من كتاب (قادة الفكر)، ينكر وجود عدد من الشعراء الجاهليين وعلى رأسهم امرؤ القيس الذي وضعه في (قادة الفكر) على رأس قائمة الشعراء الذين "نبخسهم أقدارهم ولا نعرف لهم حقهم"، لأنه لا يرى أن شعرهم يمثل المرحلة الجاهلية، ويقرر بالتالي: "إن الكثرة المطلقة مما نسميه شعراً جاهلياً ليس من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلفة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين ولا أكاد أشك في أن ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جداً لا يمثل شيئاً ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي... إن ما تقرأه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء في شيء، و إنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين المحدّثين والمتكلمين".

ويرى عبد الله إبراهيم أن شك طه حسين في الشعر الجاهلي متصل أشد الاتصال بمبدأ "المقايسة"، وكذلك بشك المستشرقين في ذلك الشعر،"أكثر مما هو متصل بشك ديكارت الفلسفي. فقد كان أمر صحة الشعر الجاهلي موضوع خلاف بين المستشرقين منذ مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ إذ كتب في نولدكه في عام 1861وألفرت في عام 1872، وتوالت البحوث والدراسات الكثيرة في هذا الموضوع. وتوجت تلك البحوث، بدراسة مارجليوت (أصول الشعر العربي) التي ظهرت في عام 1925. وكانت استنتاجات مارجليوت تشكل اللب الأساسي الذي ورد في متن كتاب طه حسين، بعد أن دمج مع مرويات ابن سلام الجمحي".

وبالإضافة إلى طه حسين، الذي بصفته الريادية يُعد - في نظر عبد الله إبراهيم - من أوائل العرب الذين قرءوا النصوص العربية بمنظور الآخر وذلك من خلال إخضاعها لمعيار المستشرقين الغربيين، يتناول مؤلف (الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة) المشاريع النقدية لعدد من الأكاديميين العرب المعاصرين مثل كمال أبو ديب ومحمد مفتاح وسعيد يقطين الذين يحضر في كتاباتهم الآخر الغربي بأشكال مختلفة، لكنها تبيّن بجلاء خضوعها المستمر لمبدأ المطابقة.

وانطلاقاً من نقد ثقافة "المطابقة"،  يدعو عبد الله إبراهيم إلى ثقافة "الاختلاف". وهو، حين يدعو إلى الاختلاف الذي يرى فيه ضرورة ملحة تفرضها حالة التوتر والانهيار اللذين تعيشهما الثقافة العربية، فهو يؤكد في الوقت نفسه أن الدعوة إلى الاختلاف لا تعني خلق قطيعة مع الآخر الغربي أو الآخر القديم، بل إلى إيجاد"مسافة طبيعية وضرورية تحوّل الانتماء الأعمى المزدوج للغرب أو للماضي إلى نوع من الحوار والتفاعل والتمثل والاختلاف، وليس إلى التماهي والاندماج والتطابق".