الرئيسية

خبابير

مدن

اتصل بنا

مقالات

صور


الرئيسية

خبابير

مقالات

اتصل بنا

مدن

كتب

صور

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

يوميات المرض و الأمل المشع:

أضع دون رعب قدمي في الرجاء..كما لو السرطان العابر!

 بقلم: محمد أحمد البنكي

هو الكلام الذي ينقش على محاجر العيون بأبلغ مما تقوله كل ألفاظ الأرض؟ 

قد يجد كل قارئ أجابته الخاصة عن مثل هذا السؤال، إلا إنني وجدت تلك الفصاحة، كأبلغ ما تكون، في عين استشاري المناظير بمستشفى ابن النفيس الدكتور بتيل المسمّرة علي عيني حين أخبرني، للمرة الأولى، أنني مصاب بالسرطان.  لم تغادر أحداقه أحداقي وهو يستعد لإطلاق الخبر بلحظة صمت طويلة.  بدت عيناه، من خلف النظارة الطبية الأنيقة، كما لو قد جمعت خبرة السنين كلها وجاءت لكي تستودع النبأ في أغوار بؤبؤي بتؤدة تستحث ضرورة الارتفاع إلى مستوىشجاعة أولئك الذين اختارهم هذا المرض العنيد لمنازلات باهرة.  عينا الدكتور بتيل في عيني، وكل ما حول هذه النظرات باهت ويغور في الهشاشة.  قررت لحظتها، بارتجال خاطف، أن لا أفرغ نظراتي من صلابتها وإيمانها واعتدادها بنفسها. طاف في خاطري ما الذي سأقوله لزوجتي التي تنتظر خروجي من غرفة العمليات.  الثبات والتطمين مطلوبان، ولكن هل عرفت هي شيئا قبل خروج نقالتي السريرية من غرفة العمليات؟  هل تسلل الخبر إليها بنحو ما؟  كيف سأطل عليها لتبادرني بعبارتها الخيرة: ''حمداً لله على السلامة''.  وأي سلامة بعد تمكن الخبيث في الأحشاء؟!

لم يكن لدي وقت طويل للتفكير.  خرجوا مسرعين كأنما يهرولون بسريري المتحرك على عجلات لا تكف عن الصرير.  وقعت النظرة على النظرة وقالت زوجتي: ''حمداً لله على السلامة''.  ساورني إحساس عميق بأنها تعرف كل شيء.  أبلغتها بأنه السرطان. تظاهرت بالقوة مجيبة: وماذا يعني؟ الحمد لله على كل حال. 

سنتجاوز ذلك بإذن الله. أنا واثقة.

خرجنا من المستشفى لتبدأ الرحلة بين أشعة الـ CT وأشعة الـ MRI ومعاينات المناظير ومراجعات الاستشاريين. التقمتني بطون الآلات الضخمة تروح وتجئ لتمسح جسمي المحقون بصبغة الباريوم في الوريد، والمواد الملونة في الأحشاء، وإبر سحب الدم، وأجهزة التخطيط.  أصبحت كائنا مشعاً لكثرة ما اخترقني من موجات رنين مغناطيسي وأشعة إكس وما لا أعرف من موجات ضوئية وصوتية.

كنت محتشداً باستحضار رفاق المعاناة نفسها من أصدقاء الفكر والكلمة الذين مروا بمحطات هذا المرض فافترسوه بالكتابة حتى آخر مقاومة إدوارد سعيد، جاك دريدا، عبدالوهاب المسيري، محمد شكري، سعدالله ونوس، علام القائد، نعمات البحيري، هاني الراهب وغيرهم.

قبل أيام قليلة من اكتشافي للمرض كتبت، للمفارقة، عن معاناة علام القائد مع السرطان وإبر البنسلين والمورفين الأسبرين وانعكاس ذلك في بعض قصائده التي لم تنشر حتى وفاته.

قبل ذلك، بسنة أو يزيد، كانت وفاة دريدا من مضاعفات عملية جراحية إثر إصابته بالمرض الخبيث أيضا.  ويومها جرت الاتصالات بيني والصديق عبده وازن لنشر رثاء في دريدا بجريدة الحياة، وكان أن كتبت عن اشتغال السرطان في جسد الفيلسوف بطريقة تستلهم اشتغال الاستراتيجيات التفكيكية في النصوص.

عندما اكتشفت فجأة إصابتي بالسرطان قررت أن أقرأ نعمات البحيري.  كاتبة مصرية، ليست من نجوم الصف الأول على أية حال، أصيبت بالمرض وكرست كتابة مكثفة عن معاناتها مع مراحله.  كنت قد اقتنيت كتابها ''ارتحالات اللؤلؤ'' لكنني لم أبدأ في القراءة إلا بعد أن استشعرت رابطة خفية موحية تمتد بيننا، على طريقة إن المصائب يجمعن المصابينا.

كانت مجلة (أدب ونقد) المصرية قد أعدت ملفاً لتحية نعمات نشرت فيه بعض نصوصها. قرأت عذابات البحيري مع أجهزه المسح الذري والرنين المغناطيسي والإشعاعات المقطعية والموجات فوق الصوتية، وشكشكة الأبر، والمسكنات الفاشلة.  وتوقفت متعاطفا، بألفة، مع مشهد تحكي فيه نشوتها وابتهاجها الغريبين بعد نتائج إحدى التحاليل الدورية، فرغم إن الطبيب أبلغها إن دلالات الأورام عالية وأنزيمات الكبد عالية والسكر... و... و...، إلا أنها قررت أن تحتفل وتعيش حالة الانتصار (مثل التلميذ الذي رسب في الامتحان وحين عاد قبله أهل الحي، لأ وإيه... وزع البيبسي على الناس وعاش الحالة...).  لقد عاشت الحالة نعمات البحيري، فالتقطت نتائج التحليل وقررت أن تحتفي بجملة واحدة مشجعة فقط وردت في كلام الدكتور هي إن (المناعة عالية)، وهكذا استقلت سيارتها مع صديقتها واشترت زهوراً وعلقت (بوكيهاً) على تابلوه السيارة ورفعت صوت المسجل بأغنية لمحمد منير (نعناع الجنينة)، بينما كانت صديقتها تردد: (نعمات البحيري) بدلا من (نعناع الجنينة) على نفس لحن الأغنية.

أنا أيضا أحب محمد منير، وأحب أغنية نعناع الجنينة.  في اليوم الذي قرأت فيه نص الكاتبة كنت لا أفتر عن ترديد الأغنية مع زوجتي في السيارة وأنا أكرر أيضا: (نعمات البحيري) بدلا من (نعناع الجنينة).

؟؟؟
أربعة أبناء طافوا مخيلتي بكثافة أول ما علمت بالنبأ. في الساعة الأولى احتضنت كل منهم وأغمضت عيني ولم أفكر بشيء.  في الساعة الثانية تبلورت قناعتي تماما بأن من البداهة أن أصارحهم بكل شيء، رغم سنين عمرهم الغضة.  معرفتهم المبكرة ستساعدهم على التكيف والتعايش بشكل أفضل.  في كل الأحوال ذلك أجدى من أن تتكون معارفهم حول المرض من تَسْقُط كلمة هنا، والتقاط عبارة من مكالمة هاتفية هناك، وبناء استنتاج من ربط عشوائي بين حقائق وأوهام وأحاديث وتصورات تغوص وتطفو دون ضابط أو رقيب.

أعددنا للأمر عدته، أنا وزوجتي.  انطلقنا بالأولاد إلى برنامج اسري جماعي، افتتحناه بغداء مرح في أحد مطاعم المجمعات.  بعد تناول وجباتنا بادرنا في السيارة إلى إجراء تصويت على المقترحات المطروحة لبقية النزهة، واستقر الأمر على اختيار أحد الكافيهات الجميلة لتناول العصائر والآيسكريم.  في الغرفة التي اكتريناها لحساب الأسرة وحدها بدأت بالحديث، وتداخلت معي كاميليا.. أدرنا الدفة بحيث يستغرقنا الحديث تدريجيا لقول كل الحقائق: السرطان هو اختلال في نظام استنساخ خلايا الجسم البشري.  وكما يحدث في آلة ''الفوتوكوبي'' يصاب الجسم البشري أحيانا بخلل في نظام تكاثر الخلايا، فبدل أن تنسخ الخلية إلى خليتين، يرتبك النظام فتتكاثر خلايا متعددة من خلية واحدة.  هذا يحدث في آلة النسخ، نضع ورقة واحدة فنفاجأ بأن الآلة تنسخ عشرات النسخ، ولا سبيل في هذه الحالة إلا إيقاف الآلة وإعادة نظام الاستنساخ إلى طبيعته.  قلت للأولاد ببساطة أن هذا بالضبط هو ما يحدث معي.  ثمة انتشار لخلايا خارجة على النظام في جسمي، ومثلما نفتح بطن الآلة الناسخة لنستخرج أوراق تتجعلك في الداخل لتربك نظام النسخ السليم فإنني احتاج إلى عملية صغيرة مشابهة لإعادة النظام إلى طبيعته أيضا.

حرصنا أن نرسخ لدى لطيفة وجاسم وفاطمة وروان أن هذا الظرف هو منحة وليس محنة، لأن الابتلاء رحمة من الله، وفي الابتلاء خير كثير.  وأعتقد إننا قد نجحنا في وضع استجاباتهم تجاه الأمور في الطريق الصحيح.

قضينا أيام ونحن في حالة صخب وطلعات مكثفة وأنشطة أسرية متعددة، كنا نحاول، بين السفرة والسفرة إلى مركز الملك فيصل التخصصي للأورام، أن نشبع أبناءنا عاطفيا ونهيئهم لغيابٍ في العلاج قد يطول.  وحين انهمكنا في تحضيرات السفر إلى ألمانيا كان علينا، أنا وزوجتي، أن نلتقط صوراً فوتوغرافية شخصية للحصول على فيزا ''الشنجن''.  في الطريق إلى الأستوديو، وقبل أن نهم بالنزول، اقترحت كاميليا مقترحا وهي تصوب النظر نحوي: لماذا لا نأخذ صورة أسرية جماعية؟  تواطأت معها على تحقيق ذلك.  وانتظمنا في أوضاع مختلفة ما بين جلوس ووقوف أمام ومضات الفلاش والتعليقات والضحكات.  وعند لحظة مدببة من لحظات الزمن، بين التحضيرات، ملت برأسي إلى زوجتي هامسا: (ربما سيكون لهذه الصور دلالة غير قابلة للتكرار ذات يوم).  تصوبت عيني في عينها بعد هذه العبارة مباشرة.  اخترقت النظرات بعضها بعمق، أطبق صمت رهيب، والتمع وميض باهر، أقوى من وميض كل الفلاشات، ثم ارتد طرفه حسيراً على طوايا النفوس. وعدنا إلى صخبنا الأسري البهيج. كأن شيئا لم يكن.

؟؟؟
بعد أيام، وفي غمرة المراجعات بين مستشفى الحرس الوطني والمستشفى التخصصي للأورام، اكتشفت أنني مطلق السراح. لا مواعيد ولا مراجعات طبية لمدة ثلاثة أيام. عدت وزوجتي إلى الفندق بالرياض.  وبدرت فكرة قدح زنادها هاتف تلقيته: لماذا لا تذهبون إلى العمرة؟! هذا هو وقت التضرع إلى الله وشكره على البلاء إذن.  كنت أعرف مدى تشوق أم جاسم لتأدية العمرة منذ فترة، فقد مضت سنتان على آخر عمرة قضينا مناسكها، تهلل وجهها فرحاً حين طرحت الاقتراح.  وشعرت في داخلي بأنني احتاج إلى هذه الخطوة فعلاً، وهكذا شددنا الرحال في سيارة حين عزّ علينا العثور على رحلة طيران في الويك إند.  ارتديت الإحرام، ومرفوقا بدعوات المشايخ التي تتوالي مسجاتها على هاتفي يممنا وجهنا شطر المسجد الحرام.  كنت استعرض دعوات الشفاء التي تردني تباعا: الشيخ المربي الفاضل عيسى بن محمد آل خليفة، أستاذي الشيخ عبداللطيف آل محمود، ءخي الحبيب الشيخ عادل المعاودة، الشيخ محمد خالد، سيد ضياء الموسوي، الشيخ إبراهيم بوصندل، الشيخ إبراهيم الحادي، الأخ عبدالرحمن فلاح، الشيخ محسن العصفور، الدكتور سمير فخرو، الدكتور صلاح علي، الدكتور خالد بوقحوص، الدكتور علي أحمد، الأخ إبراهيم بوجيري وغيرهم.  وما بين تلبية وتهليل وتكبير قطعت بنا السيارة الفيافي والقفار حتى اكتحلت الأعين بالكعبة المشرفة وتمتمت الشفاه: ''اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره، تشريفا وتكريما وبراً''.  كانت أسئلة الأقارب والأحباب الذين يهاتفوننا طوال الطريق تتساءل في اختلاج وخشية ''هل سيقوى محمد على الطريق وأداء المناسك؟ هل ستكون حالته الصحية على ما يرام؟'' لذلك حرصت على أخذ الأمر بالعزيمة والقوة، طفت وسعيت ولم أترك الهرولة، وشربت من زمزم حتى تضلعت.  وساورني يقين عميق بأن الله سيأخذ بيدي نحو الشفاء وأن دعواتي ودعوات الأهل والمحبين ذخيرة مستجابة إن شاء الله.

؟؟؟
كيف أخبر الزملاء والأصدقاء في الجريدة بأنني سأغيب عنهم ومبرري هو السرطان؟  اعتقدت إن هذا السؤال شديد الترف حين قررت أن أحضر معهم اجتماع رؤساء الأقسام وأفاتحهم مباشرة كما جرت العادة بيننا في كل الأمور، حتى أصغر التفاصيل.

ما يحدث معي دائما في قاعة الاجتماعات هو نوع من فيضان الحب المتبادل. فقد أسسنا مشروع ''الوطن'' معا، وكلما التقت شعرنا بأننا أصدقاء نهجس بالأجمل في مشوار العطاء ولم نتصرف معا كرئيس ومرؤوس قط!  لم أخطط لما سأقوله.  فقط التقيت عيني في عين كل واحد منهم ولم أبذل جهدا طويلا للوصول إلى المصارحة، رغم إنني حرصت أن تكون عابرة في غضون جدول أعمال الاجتماع: ''لقد كشفت التحاليل الطبية عن إصابتي بسرطان القولون، حالتي هي كذا وكذا، سأغيب عنكم لبعض الوقت وأنا واثق تماما بأنكم ستسيرون الجريدة بأفضل مما نفعل الآن لأن عطائكم سيكون مضاعفا لسد أي نقص''. قلت هذا الكلام أو نحوه ثم انصرفت متحدثا في نقاط ومتابعات يومية أخرى.  استوقفنا فجأة أبو عدنان رئيس القسم الرياضي بعد برهة: ''ما بالكم يا جماعة تنهمكمون في تفصيلات وشؤون صغيرة؟! الخبر الذي صرح به رئيس التحرير نزل كنزول الصاعقة، ثمة تراجيديا حزينة تعصف بالمكان.  توقفوا.. ما الذي حدث؟ قالها بوعدنان بألم ونفاذ صبر، وكانت عباراته هي القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ اتضح أن الجميع كانوا غاصين بالخبر، لكنهم، ربما مجاملة لي، تواطأوا معي في مناقشة شؤون وواجبات العمل اليومي التي جررتهم إليها؟ وما هي إلا لحظات حتى غادرت الزميلة منار ثاني قاعة الاجتماعات دون استئذان بعد أن خانتها الدموع المترقرقة.  أما الزميل أحمد المدوب فقد سارع إلى إرسال مسج هاتفي لي في نفس اللحظة (وكأنما تعطلت لغة الكلام!): ''الحقيقة صعقتنا بهذا الخبر غير المفرح يا أبا جاسم، وأدهشتني قوتك ما شاء الله في هذه الامتحانات والمحطات الصعبة. وأتمنى لك من كل قلبي وبدون مجاملات الشفاء العاجل، وثق تماما بأن هناك جنود مخلصين سيقاتلون وراء السعي للتميز''.  الزميلة سماح علام تبعتني بعد الاجتماع إلى المكتب لتكمل عبرتها التي أرادت مداراتها دون جدوى.  يمكنني أن استحضر الآن عدد المسجات والاتصالات التي انهالت في ذلك اليوم من الجميع محملة بالأدعية والتمنيات وكلمات الحب والمودة.  كانت هذه مرة من المرات الاستثنائية التي اكتشف فيها حلاوة الانجاز السعيد، إذا أن كل المشاعر التي تدفقت كانت صادقة وقد اتسعت واتسعت حتى جاءني من يخبرني بدعوات انسابت في بعض منتديات الإنترنت، ممن أعرف وممن لا أعرف للدعاء لي بالشفاء، ثم بلغني أن مسجات أرسلها بعض الأطياب للابتهال إلى الله بمعافاتي في قناة مشاري العفاسي للقرآن الكريم، وتسامع الأصدقاء في الخارج بالأمر خاصة بعد أن نشرت جريدة الرياض الخبر في صفحتها الأخيرة.  توالت رسائل الكاتبة الصديقة ميرال الطحاوي: ''سلامتك يا محمد.. ما تقلقش ربنا كريم.. أنت قوي يا محمد.. ما تستسلمش.. إذا أنت مقرر تعايش المرض مش ممكن يهزمك.. ما تخافش يا بوحميد هتكون بخير''، ومازحني منتصر القفاش، كعادته: ''ألف سلامة.. ستخرج سالما معافي وترجع لنا زي الفل وسأعزمك على فطير وعصير قصب كمان!''.

أما يوسف المحيميد فقد كثّف اتصالاته وممازحته ومقالبه معي رغم غلالة الحزن التي تسربل صوته.  ولكن كيف تصور الكلمات وقفة الأستاذ والأخ والصديق الدكتور عبدالله الغذامي، النموذج الإنساني المتفرد، والطينة الراقية التي قدّت من حاشية الصفوة من البشر، فقد كانت وقفته غير قابلة للتكرار أبداً، نسيج وحده متعذر على الاستنساخ والمماثلة.

ربما على أن استرسل في الحديث عن ثلة كريمة من الأطباء تولت رعايتي واهتمت بأمري ونسجت من حولي شبكة مساندة أدين لها بالفضل وأهمهم الدكتور جاسم المهزع والدكتور طارق حميد والدكتور بتيل والدكتورة منى هجرس والدكتور يوسف الحداد وغيرهم، إلا إنني في هذه اللحظة أجد البال مزاحما بحضور الدكتور الرائع خليفة بن دينة.  وعلى الرغم من أنه لم تستقر في ذهني حتى الآن ملامح واضحة للدكتور خليفة بن دينه.. إلا أن صورته مزيج من التفوق والبوهيمية والإحساس بالأنا والبراءة الطفولية مزجت في رجل واحد.. فهو جراح ذو مستوى عالمي -كما وصفه الصديق عقيل سوار- لكنه محرقي حتى النخاع في عفويته و''شعبية'' تصرفاته وخرقه للبروتوكول والمواضعات.  يحيرك فيه خليط من الصفات التي - رغم كل شيء - تحبذ حصيلتها في النهاية..

شاب خدوم، لا يعبأ بالبروتوكول الذي تقتضيه أعراف العلاقة بين الطبيب ومريضه يجلس معك بقميصه المشجر و''يطكها سالفة''، ولا يتحفظ في شيء!!

قارنت مرة بينه وبين طبيبي في الرياض الدكتور ناصر الصانع رئيس قسم القولون والمستقيم بمستشفى الملك فيصل التخصصي.  كانت المقارنة في جلسة مع زوجتي من تلك الجلسات التي نستعيد فيها وقائع أيامنا بين أروقة المستشفيات إذا انقضت سحابة اليوم من مراجعة إلى مراجعة..

قلت لها بينما كنت استعيد ما أتصور أنه تاريخ د. الصانع الطبي كما يستعيد هو تاريخي المرضي.. أنني أتخيل ناصر الصانع في سنوات الطلب والتكوين في ذلك النموذج من الطلبة المثاليين الذين لا يكاد يرتفع طرفهم عن سطور الكتب مثابرة وتفانيا واجتهادا.  أمثال أولئك يعطون حياتهم لمجال تخصصهم بكل أخلاص، والطبيب منهم يعكف على إتباع مناهج الطب ومتابعة جديدها واستثمار كل دراسة حديثة وتنظيم عيادته وشؤون مرضاه ونصائحه لهم على تكات الساعة ووفق ما استقر عليه المعيار الطبي الصارم.. ولا مجال مع هذه الذهنية لحمل الطب البديل أو برامج الاسترخاء أو استشفاءات الطاقة على محمل الجد. الأمور منظمة بالمسطرة والفرجال، والإجراءات محسوبة بالمعادلات والكميات والمقادير. أنه نمط من العبقرية والاقتران بالتفوق له منطقه وأسانيده وملتمساته التي لا تخلو من وجاهة وقوة على أية حال.

أما الدكتور خليفة بن دينه فيمثل نمطا آخر. أتصوره في شخصية المبدع الذي يمارس الطب على طريقة الفنان الخلاق!  إنه يحكي لك عن إحدى العمليات التي أجراها في مستشفى المدينة الألمانية التي درس فيها التخصص، فلا يخالجك الشك في إنه يسرد ويرى إلى الأشياء بمزاج الروائي الحكاء! يروي لك كيف كانت الكاميرا تنقل العملية لجمهور المؤتمر على الهواء وترصد حركة مباضعه ومشارطه بشكل أذهل المشاهدين وآثار تساؤلاتهم عن هذا الأداء الموهوب. وهو يستخدم المجاز في توصيفاته فيسمي العملية التي ستجري لك ''ميكي موس أوبريشن'' للدلالة على سهولتها والجانب الشيق للأطباء فيها.  أما إيماءاته حين يدلي برأيه في هذه التفصيلة أو تلك فهي إنسانية جداً تستحسن وتستقبح وتسارع إلى إبداء وجهة النظر الخاصة بشكل بديهي لا يتوقف كثيرا أمام انتقاء ما يقول!  يخيل لك أيضا أن بن دينه يدخل العمليات التي يجريها كلعبة تحدي، يحفل بالانتصار، ويهتز طربا ''للعبة الحلوة''، يستمع ويتعاطى الحرفنة بمزاج فنان.  أمثال د. خليفة يحركون هواجسك الأدبية والإبداعية فتتمنى لو تكتب عنهم وتسجل سردهم الشيق وطريقتهم التي لا تخلو من الدهشة والعفوية والنزعة الحكائية في التعامل مع يومياتهم الطبية.  أنه الطبيب الصديق مقابل الطبيب العليم الذي لا يتنازل عن رصانته ومسافته المطلوبة من المريض الذي يراجعه.  وكل في فلك يسبحون في نهاية الأمر.

يمكنني أن ألخص الفوارق في ملمح واحد، متعلق بالمظهر... حيث يحضر ناصر الصانع إلى عيادته في كامل الأناقة المرسومة: ربطة العنق مثبتة في موضعها تماما.  تموجات الشعر والخصلات أقرب إلى تسريحة سواريه منها إلى طلة عيادة.  كسرات البنطلون وخطوط الأوفركوت الطبي كما لو خرجت من يد المكوجي في التو واللحظة.  هذا في حين يقترب منك بن دينه بقميصه ''النصف كم'' مفتوح عروة الصدر، وألوانه البهيجة المسدلة على بنطلون جينز يكشف عن مسحة وجودية تحفل بـ ''الولدنة'' كما يقول اللبنانيون وينهمك في الحياة وحكاياها الصغيرة على نحو ما يعيشها شاب لا مبال متخصص في كسر الأعراف!

أظنها أيام قليلة تلك التي تفصلني الآن عن الملاءات البيضاء والمضادات الحيوية والأربطة المعقمة وأجهزة التخطيط وقياس الضغط وأنابيب نقل الدم وأسلاك القسطرة لكنني في مزاج إيجابي استمد قوتي من التوكل على الله وحث طاقتي الحيوية على المقاومة ومن الدعوات التي يغمرني بها الأهل والأصدقاء والمحيطين.  مازلت أستطيع أن أحلم وأن أستدعي صور الشفاء.  وسأنتظر رحمة الله ولطفه بوجدان صابر محتسب، سأنتظر إلى أن يخرج من دواليب المطبعة ذات فجر قادم عدد جديد من صحيفة الوطن، يعيدني إلى المساهمة مع بقية الأصدقاء من أسرة الوطن في مصافحة يد القارئ بصفحات جديدة بين سطورها نستأنف انجاز حلمنا المشترك