VILLES ARTICLES FRANCAIS HOME PHOTOS LIVRES

 

الدراسات العليا وخدمة المجتمع

د. مسعود عمشوش

تعد الدراسات العليا من أهم المكونات الأساسية لأي مؤسسة جامعية وذلك لارتباطها الوثيق بتأهيل الكوادر البشرية العليا في المجالات العلمية المختلفة، والبحث العلمي والدور البارز الذي تقوم به في تطوير المعرفة، والإسهام في خدمة المجتمع وذلك من خلال تفعيل آليات التنمية في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والثقافية، وإيجاد الحلول للمشكلات التي يواجهها المجتمع.

وعلى الرغم من تسليم الجميع بضرورة توثيق العلاقات بين المجتمع  وبين الدراسات العليا والبحث العلمي في المؤسسات الجامعية  يلاحظ أن هناك حلقة مفقودة بين الجامعة وبين المجتمع ولاسيما القطاع الخاص، إذ أن غالبية الدراسات والبحوث التي يقوم بها الطلبة وأعضاء هيئة التدريس تظل  في معظم الأحيان حبيسة الأدراج وبعيدة عن المشكلات الفعلية التي تواجهها المجتمعات العربية في الوقت الراهن. ولهذا تندر الاستفادة منها.

ولاشك أن تنظيم ندوة (الدراسات العليا في الجامعات العربية) التي تنعقد في رحاب جامعة عدن من 27 إلى 29 نوفمبر الحالي ستعمل على وضع الاستراتيجيات اللازمة لتطوير الدراسات العليا بحيث تصبح مصدرا لتخريج أجيال جديدة من الأساتذة والباحثين المتميزين، وتعيد اللحمة بين البحث العلمي الأكاديمي والمجتمع والرفع من المستوى العام للدراسات العليا والبحث العلمي الجامعي. ومن أجل ذلك ينبغي، في رأينا، التأكيد على مجموعة من المسلمات والأسس التي تهدف إلى تحقيق إصلاح جذري في التعليم الجامعي. ومن أبرز تلك المسلمات التأثير المتبادل بين الجامعة والمجتمع؛ فالكثير من المصاعب التي تواجهها الجامعة ترجع أصل إلى المشاكل التي يعاني منها المجتمع، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.  فلا ريب أن تخلف المجتمعات العربية يؤثر سلبا على مستوى التعليم الجامعي بشكل عام والدراسات العليا على وجه الخصوص. ولهذا فإن عملية إصلاح الدراسات العليا في الجامعة يجب أن يشارك فيه المجتمع بقطاعيه العام والخاص. وأتمنى من القطاع الخاص أن يتبنى أكبر عدد ممكن من المشاريع البحثية ورعايتها للرفع من مستواها وجودتها. فالتمويل مسألة حيوية في تطوير الجامعة، ولابد من تضافر الجهود ما بين مؤسسات المجتمع المدني والحكومة في هذا المجال. كما أرى أن على الحكومات العربية أن تعطي اهتماما أكبر بالبحث العلمي والتعليم العالي في ميزانياتها.

ولاشك أن تطوير الدراسات العليا بحيث تصبح مصدرا لتخريج الأساتذة المؤهلين والباحثين المتميزين، وربط البحث العلمي الأكاديمي بتنمية المجتمع والرفع من المستوى العام للدراسات العليا والبحث العلمي الجامعي، يفترض الاهتمام بالتعليم الجامعي والتعليم ما قبل الجامعي لتأهيل الطلاب بما يتناسب ومتطلبات عصر العولمة والتعليم العالي الصحيح، ويتطلب كذلك الاهتمام بالتدريس والبحث البيني وذلك بما يلغي صفة الجزر المنعزلة عن المجالات المعرفية أو العلمية في عصر التخصصات المتداخلة، وإلزام الأقسام العلمية بمراعاة مواصفات ومعايير الجودة اللازمة وتطوير القدرات البحثية لدى طلاب الدراسات العليا، وإكسابهم المهارات الحديثة كاستخدام الحاسب الآلي واللغات الأجنبية، والعمل على تطوير برامج بحثية تقوم بها فرق بحثية متكاملة لدراسة قضايا متعددة الجوانب وتشجيع البحوث التي تعتمد على التفاعل بين التخصصات العلمية المختلفة. وينبغي كذلك الاهتمام بتطوير أساليب الإشراف في مجال البحوث النظرية والتطبيقية بما يمكنها من الاقتراب من مختلف مجالات الإنتاج والخدمات في المجتمع. ونحن في الوقت الذي نؤكد على أهمية التركيز على البحوث التطبيقية للتقريب بين الدراسات العليا وواقع المجتمع نؤكد كذلك على ضرورة عدم إهمال البحث النظري الذي يشكل القاعدة الأساسية اللازمة لكل بحث تطبيقي جاد و إن كان لا يرتبط بشكل مباشر بخدمة المجتمع واقتصاد السوق. ومن أجل النهوض بالدراسات العليا يمكن كذلك تعميم تجربة إنشاء كلية خاصة بالدراسات العليا في أكبر عدد ممكن من الجامعات العربية مما يسهل عمليات التخطيط لبرامج الدراسات العليا ومراقبة  مستويات الأداء والجودة.

ولضمان جودة مخرجات التعليم العالي والبحث العلمي في الجامعات العربية وفعاليته واقترابه من متطلبات المجتمع العربي نقترح إنشاء هيئة عربية مستقلة (في إطار اتحاد الجامعات العربية) للاعتماد ومراقبة الجودة تكون لديها صلاحيات التوجيه والمتابعة والتفتيش وإلغاء الاعتماد، بعيدا عن المباهاة بالأعداد الكبيرة والتقديرات العالية المشبوهة.

وأخيرا نتمنى أن تتمكن (ندوة الدراسات العليا في الجامعات العربية) من تحفيز المؤسسات الجامعية العربية على التفاعل السريع مع مختلف المتغيرات المعرفية والتكنولوجية التي يشهدها العالم اليوم، ووضع الاستراتيجيات الفعالة للحوار ومد جسور الاتصال والتعاون فيما بينها أولا، ثم بينها وبين المجتمع المحلي والعربي ثانيا، وبعد ذلك بينها وبين المؤسسات الجامعية والبحثية في مختلف بقاع العالم، بما يساعد على تفعيل دور الجامعة في المجتمع وتمتين العلاقات بيننا وبين بقية الشعوب.

 

 

تصميم مسعود عمشوش