VILLES ARTICLES FRANCAIS HOME PHOTOS LIVRES

 

(حضرموت: في أطراف الإمبراطورية)

عرض د. مسعود عمشوش

ليندا بوكسبرجر Linda Boxberger باحثة أمريكية تحصلت على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة تكساس في أوستن. وقد تركز اهتمامها على الدراسات العربية ولاسيما اليمنية منها.  وتؤكد في مقدمة كتابها (في أطراف الإمبراطورية: حضرموت، الهجرة والمحيط الهندي؛ من ثمانينات القرن التاسع عشر حتى ثلاثينات القرن العشرين، نيويورك 2003) أنها كانت تتوق إلى القيام بدراسة ميدانية في حضرموت منذ ثمانينات القرن الماضي، لكنها لم تتمكن من تحقيق حلمها إلا بعد إعادة توحيد اليمن، إذ أن النظام في عدن لم يكن حينئذ يمنح تأشيرات دخول للأميركيين.

وتؤكد الباحثة أن الهدف من الكتاب هو الإسهام في كتاب التأريخ الاجتماعي والسياسي للسلطنتين القعيطية والكثيرية في حضرموت واندماجهما التدريجي في الإمبراطورية البريطانية وذلك من ثمانينات القرن التاسع عشر حتى ثلاثينات القرن العشرين وتحديدا حتى وصول المستشار البريطاني هارولد انجرامس إلى حضرموت. وتقول كذلك إن من أهم الأسباب التي دفعتها إلى القيام بتلك الدراسة رغبتها في دراسة مجتمع لم يحظ باهتمام الباحثين، ولهذا فهي اعتمدت كثيرا على البحث الميداني، والمرويات الشعبية والوثائق والمخطوطات المحليّة، والمطبوعات النادرة والمقابلات مع المسنين من مختلف فئات المجتمع، والأمثال والشعر والتأريخ الإثنوغرافي. واستفادت أيضا من بعض الوثائق البريطانية. ومن الواضح أن الباحثة قد استفادت كثيرا من الأبحاث المكتوبة باليد أو بالاستنسل التي أعدها بعض الباحثين المحليين (مثل عبد القادر الصبان وجعفر السقاف) ولم يتمكنوا لأسباب مختلفة من نشرها في دوريات أو في كتب. ومن المعلوم أن المعهد الأمريكي للدراسات اليمنية في صنعاء قد قام سنة 1998 بطباعة دراسة قام بها عبد القادر الصبان عن (زيارة نبي الله هود) مع ترجمة انجليزية أعدتها ليندا بوكسبرجر وزوجها السوداني عوض عبد الرحيم أبو حليقة. وقد ألحقت الباحثة بالكتاب بيبليوجرفيا شاملة بالمصادر عن حضرموت وشكرت في مقدمة الكتاب الصبان والسقاف وبقية الحضارم الذين ساعدوها في جمع المعلومات.

يتكون كتاب (حضرموت في أطراف الإمبراطورية) - الذي يقع في 293 صفحة- من مقدمة، وأربعة أجزاء يضم كل منها فصلين، وخاتمة وملحقين وبيبليوجرافيا، وعدد من الصور والخرائط التي التقطتها أو أعدتها المؤلفة نفسها.

في الفصل الأول من الجزء الأول من الكتاب تتناول الباحثة قضايا الهوية في المجتمع الحضرمي والخلفية الاجتماعية والمهنية والاقتصادية لمختلف الفئات التي يتركب منها المجتمع مركزة على بعض الممارسات والعادات التي تبين مدى تجذر التمايز الاجتماعي في حضرموت وعلاقته بالمهن وعادات الزواج والتعليم وحمل السلاح، وتطرقت إلى الخلخلة والتغييرات التي أدخلتها الهجرة على تلك التركيبة الاجتماعية. وقد كرس الفصل الثاني من الجزء الأول كله لموضوع (الهجرة الحضرمية والمهجر)، حيث تناولت المؤلفة حياة الجاليات الحضرمية في شرق أفريقيا، وسواحل البحر الأحمر، والهند والشرق الأقصى. وتعرضت كذلك إلى بعض النزاعات التي برزت بين الحضارم في المهجر وصداها في الداخل.

أما في الجزء الثاني من الكتاب فقد درست الباحثة الأمريكية طريقة الحياة في المدن وفي الريف.  وخصصت الفصل الأول منه للعادات التي تنظم الحياة الحضرية وزراعة الأرض في مدن سيؤن وتريم وشبام في الداخل. وفي الفصل الثاني تركّز بطريقة مشابهة على المدن الساحلية: المكلا والشحر وغيل باوزير والحامي. وهنا تدرس طرق صناعة القوارب وصيد سمك والتجارة.

وفي الجزء الثالث من الكتاب تناقش الباحثة المؤسسات الاجتماعية  والممارسات والمعتقدات الدينية والتربوية، والدعوات الإصلاحية التي برزت مع عودة بعض الحضارم من المهجر، وقد اعتمدت كثيرا على ما كتبه الأديب علي أحمد باكثير وزملاؤه في صحيفة (التهذيب) التي نشروها في سيؤن في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي. وفي هذا الجزء تتناول الباحثة بعض الممارسات الدينية لاسيما الصوفية في حضرموت والزيارات، وتركز بالطبع على زيارة نبي الله هود.

وفي الجزء الأخير من الكتاب تتطرق ليندا بوكسبرجر إلى القوى السياسية الفاعلة في حضرموت في تلك الفترة، ونزاعاتها، ودور المهجر ويافع في ترسيخ أو إضعاف كل من السلطنتين القعيطية والكثيرية. ثم تطرقت للحروب والنزاعات والتنافس بينهما، وهو الأمر الذي سمح لبريطانيا بالتدخل وفرض الحماية عليهما. وقد ضمنت المؤلفة كتابها نص المعاهدة التي وقعت في عدن سنة 1918 بين بريطانيا والقعيطي والكثيري والتي بموجبها وقعت السلطنة الكثيرية تحت الحماية البريطانية.

وعلى الرغم من بعض الهفوات البسيطة التي وقعت فيها الباحثة والتي أشار إليها السلطان غالب بن عوض القعيطي في قراءته للكتاب، وعلى الرغم من أنه يبدو لنا أن كثيرا من المعلومات والخرائط التي أوردتها الباحثة عن المدن الحضرمية واستقتها من الباحثين المعاصرين لا تتطابق بالضرورة مع حقائق الفترة الزمنية التي اختارت أن تدرسها (من ثمانينات القرن التاسع عشر حتى ثلاثينات القرن العشرين) فمما لاشك فيه هو أن كتاب ليندا بوكسبرجر يعد إضافة مهمة إلى الأبحاث - الكثيرة  في الواقع- المكرسة لدراسة حضرموت. ويعكس في الوقت نفسه اهتمام هذه الباحثة الجادة لموضوع دراستها: حضرموت، وحبها لها ولأهلها.

 

 


تصميم مسعود عمشوش