|
الدور الثقافي
للجامعات
(1-2)
الثورة "السبت,
25-يونيو-2005"
د.عبدالملك منصور
من الواضح أنه ما لم
يكن للثقافة، في حد ذاتها، دور ما لا يعد هناك مجال أصلاً للحديث عن دور ثقافي سواء
للجامعات أو غيرها من المؤسسات، إذ أن ماقد يكون لأي جهة أو مؤسسة من دور ثقافي
معين لابد أن يكون مستمدا من دور الثقافة أي أن دور الثقافة هو الإطار العام الذي
يتحدد داخله الدور الثقافي المحتمل لأي مؤسسة، بما فيها الجامعة. لذلك لم يكن بد من
أن يبدأ الحديث عن الدور الثقافي للجامعات بالحديث عن دور الثقافة.
فهل للثقافة دور؟ وما
هي طبيعة وسمات هذا الدور؟
دور الثقافة:
بما تشتمل عليه من
عناصر مختلفة، مثل العادات والأعراف والأخلاق والمشاعر والأفكار والقيم والأديان
والقانون، مارست وتمارس الثقافة دوراً مهماً في تشكيل ملامح تاريخ وحاضر البشرية.
والأرجح أن يستمر بل وينمو ويقوى دور الثقافة في حياة البشر مستقبلاً.
فالثقافة تعد محدداً
من محددات سلوك الأفراد الاعتقادي والقولي والفعلي. ولعله لا أدل على ذلك من أنه
غالباً ما تتحدد عادات ولغات وقيم بل ومعتقدات وأديان الناس وفقاً أو طبقاً للثقافة
التي ينشأون فيها ويكتسبون منها ثقافاتهم الشخصية. وصحيح أن من الأفراد من ينحرف عن
بل وقد يخرج على الثقافة التي نشأ فيها ويناصبها العداء بيد أنه إنما يفعل ذلك
غالباً بسبب تأثير ثقافة أخرى تغلبت عليه أو تبناها ثم هو لا يكاد أبداً يتخلص
تماما من ثقافة النشأة والتي تعمل على تشكيل فهمه للثقافة اللاحقة/ الجديدة وكيفية
تطبعه بها وتمثله لها تماما كما تترك لغة النشأة دائماً آثارها المميزة على اللغة
المكتسبة لاحقاً.
ومن خلال دورها المشار
إليه في تشكيل سلوك الأفراد تمارس الثقافة دوراً مماثلاً في تشكيل سلوك الجماعات
والمجتمعات وتحديد أوضاعها وأحوالها وتوجيه تفاعلاتها مع بعضها البعض.
ولعل من أهم سمات دور
الثقافة أنه:
دور أساسي:
ما ترجحه المعرفة
البشرية الحالية هو أن السلوك البشري- الفردي والجماعي- سلوك معقد متعدد العوامل،
فهناك العامل الغريزي والعامل المرضي والعامل الوراثي والعامل الاقتصادي وعامل
القهر المادي (البدني أو العسكري) والعامل الوراثي و... الخ، وتمارس هذه العوامل
أدواراً مختلفة تتراوح عموماً- بناء على شدة أو قوة التأثير- بين الدور الأساسي
والدور الثانوي. وحيث أن الثقافة، كما سبقت الإشارة، كل مركب من عناصر عديدة مختلفة
لكل منها دورها وأثرها ولا يكاد السلوك البشري يخلو من تأثير بعض تلك العناصر فإن
الدور الكلي للثقافة والذي يمثل الحصيلة النهائية لتأثيرات مختلف عناصر الثقافة يعد
دوراً أساسياً في غالب السلوك البشري الفردي والجماعي.
دور مزدوج:
إن مضمون وطبيعة دور
الثقافة يختلف باختلاف مضمون وطبيعة الثقافة. فالثقافة المتخلفة/ التقليدية يكون
دورها دوراً تخلفيا/ تقليديا أي دوراً يكرس التخلف والجمود والوضع الراهن بقدر ما
يعوق التطور ويناهض التغيير، بينما الثقافة المتطورة أو الناهضة يكون دورها دوراً
تطورياً وإنهاضياً أي دوراً يدفع للتغيير والتطور والتحديث والنهضة بقدر ما يدفع عن
التخلف ويناهض الجمود. وبالمثل فإن الثقافة الصراعية تمارس دوراً صراعيا يكرس
التفاعل الصراعي بقدر ما يعوق الحوار ويخل بالسلم بينما ثقافة الحوار والسلم تمارس
دوراً حوارياً سلمياً يكرس التحاور والسلم، بقدر ما يناهض الصراع ويحد من الاحتراب.
واجمالا، فإن الثقافة تمارس دوراً أيجابيا أو دوراً سلبياً، وغالباً دوراً خليطا من
السلبية والأيجابية، بناء على مدى إيجابية أو سلبية مضامينها.
دور إرادي:
عادة ما تؤثر الثقافة
على الانسان من خلال قبوله وتمثله لها. وحيث أن قبول الثقافة لا يكون إلا طوعاً، إذ
يتعذر تأمين قبول الثقافة عن طريق فرضها بالقوة المادية، يصح القول أن تأثير
الثقافة تأثير ذاتي معنوي نابع من داخل المرء مما يعني أن دور الثقافة دور إرادي،
أي يتم من خلال تشكيلها لإرادة المرء وكثيراً ما يكون دوراً اختيارياً واعياً وليس
قهرياً.
وبسبب السمات المشار
إليها لدور الثقافة، وخاصة كونه دوراً أساسياً ودوراً إرادياً، تمثل أو تتيح
الثقافة المدخل الأنسب لإحداث التغيير المنشود في السلوك الفردي والجماعي كما يبقى
التغيير الثقافي شرطاً لازماً لتأمين التحولات المجتمعية الكبيرة مثل الإنهاض
الحضاري والتنمية الاقتصادية الشاملة. وليس من العسير ملاحظة أن كافة النهضات
الحضارية في التاريخ بدأت بنهضات ثقافية وأن التنمية الاقتصادية الواسعة التي
شهدتها بعض المناطق لم تتحقق إلا بعد حدوث التغيرات الثقافية اللازمة.
إذن للثقافة دور له أهمية بالغة وخصوصية واضحة في حياة الأفراد والمجتمعات البشرية،
على أن مما تجدر ملاحظته أن هذا الدور وإن كان سلفاً أو أساساً مهماً جداً إلا أنه
ظل يزداد أهمية مع تطور البشر وتقدمهم وذلك لما انطوى عليه هذا التطور أو صاحبه من:
1-
تراكم
الثقافة البشرية وامتدادها لمختلف مناحي الحياة. ومن الواضح أنه بقدر ما تتراكم،
مثلاً، الأعراف والعادات وتتعدد القيم ازداد واتسع تأثير الثقافة وبالتالي دورها.
2- تواصل ابتكار الانسان لمزيد من وسائل التفاعل الثقافي وأساليب توظيف الثقافة
والتي بقدر ما تعزز التأثير الثقافي تعزز دور الثقافة. وعلى سبيل المثال لابد أنه
كان لاكتشاف اللغة وتطويرها أثر أيجابي كبير على التفاعل الثقافي ومن ثم على أثر
الثقافة ودورها. ومؤخرا دعمت ثورة الاتصالات والمعلومات كثيراً دور الثقافة.
2-
تنامي
الإدراك لمزيد من جوانب دور الثقافة وتأثيراتها مع تطور المعرفة البشرية.
ومع تنامي إدراك أهمية الثقافة ودورها تنامى الإهتمام بالثقافة . وعبّر هذا
الإهتمام عن نفسه في مظاهر عدة منها ظهور كم هائل من الجمعيات والمنظمات الثقافية
الوطنية والإقليمية والدولية، وانعقاد العديد من المؤتمرات الثقافية الوطنية
والدولية، وإعلان عقود دولية للثقافة مثل عقد التنمية الثقافية وعقد ثقافة السلم و…
الخ.
ومؤخراً تبلورت بصورة
أوضح بعض المتغيرات الثقافية الدولية المترابطة مع بعضها والمرتبطة بدور الثقافة
مما دفع بالمسألة الثقافية الى صدارة الإهتمام والهم الدوليين. ومن هذه المتغيرات:
تصاعد نمو الاقتصاد الثقافي: مع تواصل ثورة الاتصالات والتقنية ونشوء مجتمع المعرفة
التحمت الثقافة أكثر بالاقتصاد وشهد قطاع الانتاج/ التصنيع الثقافي نمواً هائلاً
وبمعدلات أسرع بكثير من القطاعات الأخرى التقليدية وانتعش على إثر ذلك سوق عالمي
ضخم للثقافة بدأ يدر على المنتجين الثقافيين أرباحاً مضاعفة. ومن جانب آخر، وكمظهر
آخر لتنامي التحام الثقافة بالاقتصاد، ازداد التوجه لتوظيف الثقافة لتوسيع الاسواق
الدولية الخاصة بمنتجات معينة من خلال الترويج للتحولات الثقافية الداعمة لنشر
الثقافة التي تؤمن الاقبال على تلك المنتجات والرغبة في استهلاكها( نشر الثقافة
الأمريكية لترويج السلع الأمريكية).
تسارع معدل العولمة
الثقافية : مع التضخم والتوسع المتسارع لثقافة معينة هي الثقافة الغربية وخاصة
الأمريكية على المستوى الدولي بدأت الثقافات الأخرى تشهد، وإن بدرجات مختلفة،
تراجعاً واضمحلالاً. ونتج عن ذلك تزايد زوال وفناء الثقافات بمعدل متسارع أثار قلق
سائر الثقافات.
و لاشك أن من شأن مثل هذه المتغيرات أن تنعكس على دور الثقافة تعزيزاً وتوسيعاً له.
وعلى سبيل المثال، من شأن تصاعد نمو الاقتصاد الثقافي أن يعزز الدور الاقتصادي
والمالي للثقافة، ومن شأن تسارع معدل العولمة الثقافية وعواقبها أن يحمل الثقافة
دوراً مستجداً هو ضرورة الحفاظ على الذات والصمود أمام التأثيرات السلبية لرياح
العولمة.
دور الجامعات:
يتحدد دور أي مؤسسة من
خلال المهام المناطة بها أو التي تقوم بها فعلا. وتحدد السياسات السائدة المهام
الأساسية للجامعات بثلاث مهام تتمحور حول العلم وهي:
-
إعداد
الكوادر من خلال التدريس ( نشر العلم).
-
- البحث
العلمي( إنماء العلم وتطويره).
-
- خدمة
المجتمع ( توظيف العلم).
و بالاضافة الى تلك
المهام أو من خلالها تواصل الجامعات ، وإن بدرجة أقل، المهمة التربوية للمؤسسات
التعليمية من خلال ما تقوم به من نقل القيم والسلوكيات التي تتبناها.
والمهام المذكورة وإن
كانت لا تنفرد بها الجامعات بل تشاركها في كل منها مؤسسة أو مؤسسات أخرى تعكس أهمية
دور الجامعات في المجتمعات على المستويين الفردي والجماعي وفي نفس الوقت تشير الى
أن هذا الدور دور مركب فهو - من حيث مجالاته- دور علمي واقتصادي بقدر ما هو دور
اجتماعي وسياسي وثقافي و- من حيث وظيفته أو هدفه- يفترض فيه أنه أساساً دور تغييري
تطويري مشفوع بدور ثانوي محافظ يكرس الاستمرارية وإن كان كثيراً ما يصبح هذا الدور
الثانوي هو الدور الرئيسي واقعيا.
أهمية الدور الثقافي
للجامعات:
في ضوء ما تمهد عن
تنامي الإهتمام بدور الثقافة، لا بيدو غريبا أن يحظى الدور الثقافي للجامعات
باهتمام متزايد . وتعود أهمية الدور الثقافي للجامعة، اجمالا، الى أهمية الثقافة
وضرورتها لحسن اداء الجامعات لسائر مهامها الأساسية ووظيفتها الأساسية وذلك على نحو
ما تبينه النقاط التالية:
1- العلاقة بين الثقافة والعلم: على النقيض مما قد يبدو للبعض تعد العلاقة بين
الثقافة والعلم، والذي تتمحور حوله (= العلم) المهام الأساسية للجامعة، علاقة
متبادلة اقوى بكثير جداً مما يتخيله البعض الاخر. ونظرا لقوة ووثوق هذه العلاقة فإن
اختلالها على أي نحو كان لابد وأن ينعكس سلبا على كل من الثقافة والعلم. ويمكن
إلقاء بعض الضوء على هذه العلاقة من خلال التذكير بأن العلم هو أساساً نتاج ثقافي
حجما ونوعا، كما تمثل الثقافة عاملا أساسياً في توجيه توظيف العلم سلبا وإيجاباً
بينما يكرس العلم عقلانية الثقافة:
العلم نتاج ثقافي:
معلوم أن العلم ينمو ويتطور حيث ينشط البحث. والبحث وإن كان يستعين بالعلم إلا أنه،
في حد ذاته، ليس علماً بقدر ما هو سلوك يصدر أساساً عن دوافع ذاتية أو فطرية تدعمها
وتعززها أو تضعفها وتوهنها الثقافة. فمن توافرت له ثقافة داعمة للبحث تعزز لديه
دافع البحث ونما علمه ومن كانت ثقافته ثقافة مناهضة للبحث ضعف دافعه الذاتي للبحث
وقل علمه. ثم أن الثقافة تشكل السلوك البحثي وتوجه الرغبة في العلم فالذي تحدوه
وتغلب عليه الثقافة العلمية يتوجه دافع البحث لديه نحو العلم، والذي تحدوه وتتملكه
الثقافة الخرافية يتوجه دافع البحث لديه نحو الخرافة والاساطير، والذي تحدوه
وتستهويه الثقافة العرفانية يتوجه دافع البحث لديه نحو المعرفة العرفانية. ونوع
الثقافة يشكل طبيعة العلم حيث أن الثقافة الإبداعية تشجع الابتكار والإبداع العلمي
بينما الثقافة التقليدية لا تشجع الإبداع العلمي وتكرس نزعة التلقي والتقليد و-إن
جاز التعبير- الاستهلاك العلمي
و ما سبق يدعم القول
بأن الثقافة العلمية أي الثقافة التي تدفع للإبداع العلمي هي أساس العلم والحافز
عليه ومحدد طبيعته ونوعه وبدون مثل هذه الثقافة لا يزدهر العلم وهو ما يؤكد أنها
ضرورية للجامعة للقيام بمهامها وخاصة مهمة البحث العلمي ومهمة اعداد الكوادر.
ب- الثقافة توجه توظيف
العلم: العلم أساساً أداة والثقافة هي العامل الأساسي في ليس فقط تعزيز أو اضعاف
الدافع لتوظيف العلم وإنما أيضا تحديد وجهة أو هدف توظيفه أو استخدامه سلبا أو
إيجاباً. فبناء على طبيعة ثقافته يحرص أو لا يحرص الإنسان على توظيف العلم
والاستعانة به في تحقيق اهدافه. والثقافة الأيجابية القيم نحو الانسان والمجتمع
تدفع صاحبها الى الحرص على توظيف العلم لمصلحة الانسان والمجتمع وعدم استخدامه في
ما يضرهما بينما الثقافة السلبية القيم نحو الانسان والمجتمع قد تولد لدى صاحبها
عدم الاكتراث بما إذا كان ما يوظف علمه فيه ذا مردود خير أو شر على الانسان
والمجتمع طالما كان يحقق له بعض اغراضه الشخصية.
ولذلك نجد أنه عندما
اختل توجيه الثقافة للعلم واصبح العلم يوظف في منأى عن توجيه القيم والضوابط
الثقافية المعتبرة أخطأ العلم مساره السليم وانحرف عن اهدافه الايجابية احيانا.
ونتيجة لذلك انتهى البحث العلمي في بعض الحالات الى اكتشافات ونتائج ضارة تهدد بقاء
البشرية مثل اكتشاف وصناعة اسلحة الدمار الشامل والتطبيقات الصناعية الضارة بالبيئة
. وأقدم البحث العلمي مؤخرا على مغامرات تخل بكرامة الانسان وقد تتمخض عن عواقب
وخيمة قد لا تكون في الحسبان، ومن ذلك مغامرات الاستنساخ البشري واحتمالات محاولات
توظيف الهندسة الوراثية لاغراض غير مشروعة.
وهكذا يتضح أنه عندما يبتعد العلم وينفصل عن ضوابط الثقافة الايجابية القيم أو يصبح
اسير الثقافة السلبية القيم، يصبح من غير الممكن ضمان عدم حدوث تعارض وتناقض بين
مهام الجامعة حيث يمكن - مثلاً- أن تكرس مهمة البحث العلمي تشجيع الاكتشافات
والاختراعات التي تضر المجتمع وهو ما يتعارض مع مهمة خدمة المجتمع المناطة
بالجامعة.
ج- العلم يكرس عقلانية
الثقافة: بقدر ما أن الثقافة توجه العلم يوجه العلم أيضا الثقافة حتى لا تقع هذه
الاخيرة في براثن الخرافة والاساطير أو تتيه في متاهات اللاعقلانية. ويختل توجيه
العلم للثقافة أما لأن حظ هذه الثقافة من العلم قليل أي أن الكسب العلمي لأهلها
ضعيف كما كان هو حال الشعوب البدائية وإما لحدوث شرخ في العلاقة بين العلم والثقافة
يحول دون أو يضعف توجيه العلم للثقافة المعنية بالرغم من توافر حظ أهلها من الكسب
العلمي. ولعل من صور مثل هذا الشرخ ما نلاحظه اليوم في بعض المجتمعات الغربية
المتقدمة، أو الفئات المتعلمة أو حتى العالية التعليم في مجتمعاتنا الشرقية، والتي
لها حظ وافر من العلم من ضعف أو عدم تجذر البعد العلمي في بنيتها الثقافية أي في
مجمل ثقافتها مما أدى إلى ظهور ما يمكن تسميته بالثنائية الثقافية. ونعني بالثنائية
الثقافية هنا اظهار البعض عقليتين وسلوكين متناقضين، حيث نجدهم يفكرون تفكيرا علميا
دقيقا في مجالات معينة مثل مجالات الدراسة والبحث العلمي، بينما يفكرون تفكيرا
تقليديا لا صلة له بالعلم في مجالات أخرى مثل المجال الديني والمجال الاجتماعي،
ويسلكون سلوكا عقلانيا في مجالات معينة مثل المجال المهني العلمي بينما يسلكون
سلوكا لاعقلانيا بل خرافيا في مجالات من مثل مجال العادات الشخصية ومجال العلاقة
بالاخر المغاير ومجال استشراف المستقبل. وهذه الثنائية الثقافية، وإن كانت في حد
ذاتها تحتاج الى تفسير، توضح لنا الانتشار الكبير لمظاهر السلوك اللاعقلاني
والتفكير اللاعلمي في المجتمع الغربي الذي ما انفك يؤكد أنه المصدر الاول للعقلانية
والحداثة. ولا تقتصر مظاهر اللاعقلانية تلك في المجتمعات الغربية على سلوكيات من
مثل التدخين حتى الموت، وإنما يتعداها الى تقاليد قديمة ربما لا يتوقع البعض وجودها
فيها من مثل الاقبال الواسع على خدمات العرافة والتنجيم والسحر (تشير بعض الكتابات
الى أنه في عام1980 كان عدد العرافين في فرنسا حوالي ثلاثين الفا وعدد الأطباء
أربعين ألفاً وكانت اجرة العراف هي نفس اجرة الطبيب النفسي المختص) . ولا يخرج عن
السلوك اللاعقلاني في المجتمعات الغربية انتشار معضلة العنف الاجتماعي وميل البعض
الى التشدد العلماني وخوض حروب لاعقلانية. ولا يخرج عن التفكير اللاعلمي الكتابات
الثقافية والفكرية الغربية المتحاملة على العنصر غير الغربي والثقافة غير الغربية
والتي تروج للمقولات والنظريات الصراعية.
ولاشك أن الظواهر
السابقة والتي تتنافى مع العلم والثقافة الراشدة مؤشر على الخلل في الدور الثقافي
لسائر مؤسسات المجتمع ذات الصلة بالثقافة بما فيها الجامعات.
و يتضح من (أ) و(ب)
و(ج) أن نجاح الجامعات في تحقيق مهامها الأساسية المذكورة سابقا رهن بنجاحها في
تأمين العلاقة السليمة بين الثقافة والعلم وحيث أن ذلك لا يمكن أن يتأتى بدون العمل
الثقافي الموجه يغدو واضحا أهمية الدور الثقافي للجامعة في اداء مهامها الأساسية.
والحقيقة أن الجامعة لا يمكنها القيام بمهامها الأساسية على الوجه الاكمل إلا من
خلال اتقانها لدورها الثقافي.
2- الهدف النهائي من
مؤسسات المجتمع، بما فيها الجامعات، هو خدمة الانسان والمجتمع من خلال تطوير وضعه
وامكاناته وفرصه. وبما أن مثل هذا التطوير يتطلب عادة احداث تغيير اجتماعي يتعين
على مؤسسات المجتمع أن تتوزع مهام ووظائف التغيير الاجتماعي في ما بينها كل حسب
مقدراتها ومهامها. والاصل أن تقوم الجامعات بوظيفة قيادة حركة التغيير الاجتماعي
وذلك- أولاً- بحكم المهام المناطة بها و- ثانيا- بفضل ما تتوافر لها من المقدرات
العلمية الكفيلة بتمكينها من إدراك أهمية التغيير الاجتماعي وإبداع الأفكار اللازمة
لتحقيق مثل هذا التغيير و- ثالثا- لكونها تحتضن الفئة الاكثر تعلما من عنصر الشباب
والذي يمثل عادة العنصر الاكثر قبولا واستعدادا لفكرة أو دعوة التغيير. واغلب الظن
أنه ما لم تتصدى الجامعة لمهمة قيادة التغيير الاجتماعي فإن احتمال أن تحسن القيام
بهذه المهمة أي مؤسسة أخرى يصبح ضعيفا نظرا لأن الجامعة هي التي تمد المؤسسات
الباقية بكوادرها القيادية وما لم تكن الجامعة قد أهلت هذه الكوادر للقيام بمهمة
القيادة فإن الأرجح أن يكون اداؤها ضعيفا ولكن الجامعة لا يمكنها أن تحسن تأهيل هذه
الكوادر للقيادة ما لم تكن هي نفسها تتولى مهمة قيادة حركة التغيير الاجتماعي، و
كما يقال فإن فاقد الشيء لا يعطيه.
وإذا تقرر أن وظيفة
الجامعات هي قيادة حركة التغيير الاجتماعي فإن مدى نجاح الجامعات في القيام بهذه
الوظيفة يظل دائماً رهنا بمدى نجاح الجامعات في القيام بدورها الثقافي. ذلك أنه وإن
كان من المؤكد أن التغيير الاجتماعي هو عادة حصيلة لعوامل متعددة منها العامل
الاقتصادي والعامل السياسي والعامل التقني والعامل الديمغرافي و..الخ إلا أنه يبقى
العامل الأهم هو العامل الثقافي. فبالاضافة الى أنه العامل الاعمق وبالتالي الأبقى
أثراً والأوسع تأثيراً يتميز العامل الثقافي بكونه الارفق نهجا لأنه إنما يتوسل
بالكلمة والتي غالباً ما تفشل محاولات فرضها بالقوة المادية وبكونه العامل الأقل
تسبباً في الآثار السلبية غير المنظورة للتغيير الاجتماعي لأن التغيير الذي يحدثه
العامل الثقافي هو تغيير إرادي طوعي واع يصحبه عادة نقاش حر وواسع بين القوى
المؤيدة والمعارضة حول جوانبه الايجابية والسلبية وآثاره المحتملة وهو ما لا يتوافر
عادة وبنفس القدر للتغيير من خلال العوامل الأخرى. وبغض النظر عن كونه العامل الأهم
مطلقا في التغيير الاجتماعي يكتسب العامل الثقافي أهمية خاصة بالنسبة للجامعات لانه
عادة ما تتوافر للجامعات متطلبات توظيف العامل الثقافي اكثر مما تتوافر لها متطلبات
توظيف عوامل التغيير الاجتماعي الأخرى كالعامل السياسي والعامل الاقتصادي.
ويتضح من مجمل ما سبق
أن الدور الثقافي للجامعات بقدر ما هو مهم لقيام الجامعات بمهامها الأساسية
المذكورة سابقا فهو مهم أيضا لقيام الجامعات بوظيفتها العامة المتمثلة في قيادة
حركة التغيير الاجتماعي.
مسئوليات ومتطلبات
الدور الثقافي للجامعات:
إذا كان الدور الثقافي
للجامعات بالأهمية المشار إليها فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف يمكن للجامعات أن
تقوم بهذا الدور على الوجه الاكمل؟
من الواضح أن الاجابة
لمثل هذا السؤال تتطلب جهدا علميا جماعيا منظما توظف مختلف التخصصات والخبرات ذات
الصلة. وفي اطار ما يمكن أن يسهم به الجهد الفردي يمكننا القول أن إتقان الجامعات
لدورها الثقافي يتطلب، بالاضافة الى ما يمكن أن يضيفه البعض، قيامها بدور ريادي في
تعزيز وترشيد علاقة الثقافة بالعلم، وإنماء الثقافة، وتطوير وتفعيل خطابها الثقافي.
وكما سبق القول هناك
أصلاً علاقة قائمة بين العلم والثقافة وأن كلا من الثقافة والعلم يحتاجان الى
بعضهما البعض. وبينما من المسلم به أن من شأن تعزيز وترشيد العلاقة بين أي طرفين
يحتاجان لبعضهما أن يفيد ذلك الطرفين لا يبدو أن هنالك مؤسسة اكفأ وانسب من
الجامعات لتصدر الجهود اللازمة لتحقيق مهمة تعزيز وترشيد العلاقة بين العلم
والثقافة. فليس هناك مؤسسة أخرى يلتقي فيها العلم والثقافة مثل التقائهما في
الجامعات. فالجامعة هي معقل العلم ومدرس الثقافة وملتقى خيرة العلماء وقبلة صفوة
المثقفين ومجمع نخبة طلاب العلم والثقافة مما يجعلها المكان الأنسب للحوار بين
العلم والثقافة. وحيثما يستقيم ويزدهر الحوار بين الثقافة والعلم يكون المكان
المناسب لبلورة وتجسيد التصور المناسب لتعزيز وترشيد العلاقة بين الثقافة والعلم
|