VILLES ARTICLES FRANCAIS HOME PHOTOS LIVRES

 

الدور الثقافي للجامعات
(2-2)

الثورة "الجمعة, 8-يوليو-2005"

 د.عبدالملك منصور

وفي ضوء ما سبق عن آثار وعواقب اختلال العلاقة بين العلم والثقافة يمكننا القول أن تعزيز وترشيد هذه العلاقة يتطلب قيام الجامعات بـ " تثقيف العلم" من خلال :

- تكريس الثقافة العلمية : والمعني بالثقافة العلمية هنا هو الثقافة التي تكرس أو تخلق التوجه العلمي الإبداعي أي الرغبة المشفوعة بالسعي العملي الجاد ليس فقط لاكتساب العلم واستيعابه وإنما أيضاً الإسهام في إنمائه نظرياً وتطبيقياً أو تقنياً من خلال البحث والاكتشاف. وتعود أهمية تكريس هذه الثقافة إلى كونها ضرورية لتحفيز الإبداع العلمي وفي غيابها غالباً ما يميل الطلاب إلى الاكتفاء بتلقي المعرفة والمهارة العلمية اللازمة لتمكينهم فقط من الممارسة التقليدية لمهنة معينة يحقق لهم عائدها بعض احتياجاتهم ورغباتهم.
2- توجيه وضبط السلوك العلمي: ما سبقت الإشارة إليه من تنامي الاستخدام السيء للعلم وتطبيقاته يحتم العمل على توجيه وضبط السلوك العلمي بالقيم التي تكرس الدوافع الذاتية التي تكفل ليس فقط الحد من سوء توظيف العلم سواء في مجال البحوث النظرية أو في مجال التطبيقات والممارسات العملية وإنما أيضاً تشجيع التوظيف الأمثل له. وبينما يتطلب الحد من سوء توظيف العلم تكريس القيم الدينية والخلقية التي تساعد العلماء والمسئولين على مقاومة هوى النفس التي تدفع للاستهانة بمصالح البشرية والمجتمع في سبيل تحقيق مصالح أو شهوات خاصة غالباً ما تكون ضارة لصاحبها أيضاً فإن تشجيع التوظيف الأمثل للعلم يتطلب بالاضافة إلى تكريس قيم المحبة وثقافة السلم واحترام الذات والآخر والحرص على توظيف العلم لخيرهما فقط العمل على اعادة تحديد اولويات توظيف البحث أو التطبيق العلمي بما يساعد على توجيههما نحو:

- التركيز على توفير الاحتياجات البشرية العامة الملحة مثل الادوية ولقاحات التطعيم ضد الأمراًض الوبائية وتقنيات مواجهة و- إن أمكن- منع الكوارث كالجفاف والزلازل وتقنيات تحسين الانتاج الحيواني والزراعي الطبيعي وخاصة في المناطق شبه الجافة والفقيرة وتقنيات تقليل تكلفة التعليم وتعميمه .
- التحول عن تطوير الاسلحة القاتلة والمدمرة كالطلقات النارية والقنابل والالغام والقذائف والمواد الكيميائية والجرثومية والاشعاعية القاتلة إلى ابتكار وتطوير اسلحة تمكن من الضبط بأقل ضرر ممكن وبدون الجرح والقتل

- ابتكار وسائل وصناعات بديلة أفضل أداء وأقل تكلفة من الوسائل والصناعات القائمة المضرة بالبيئة.

ومما يستحق اهتمام الجامعات بخصوص توجيه وضبط السلوك العلمي الجهود التي تبذلها اليونسكو بهذا الصدد.

إنماء الثقافة:

تعاني الثقافات دون-الوطنية والثقافات الوطنية والقومية والدينية إشكالات أساسية ربما كان من أهمها:
أ- المضامين السلبية: تتضمن سائر الثقافات، وإن بدرجات مختلفة، مضامين سلبية عديدة مثل نزعات العنف والحرب وأحياناً الارهاب وتوجهات الهيمنة والعادات والسلوكيات الشخصية الضارة و… الخ
ب - ضعف وأحياناً غياب الكثير من المضامين الإيجابية مثل ثقافة السلم وثقافة الحوار.
ج - تحدي التراجع وربما الزوال أن لم يكن بسبب هيمنة ثقافة وطنية معينة( عرقية أو دينية أو أيديولوجية) على الانساق الثقافية الوطنية الأخرى أو بسبب الاحتلال فبسبب تحدي العولمة الذي يواجه سائر الثقافات ربما باستثناء الثقافة الامريكية فقط.

وتمثل هذه الإشكالات التي تشوب أو تواجه سائر ثقافات العالم جذور العديد من المشكلات التي يواجهها سكان العالم، ومما يلزم عن ذلك أنه لابد من معالجة هذه الإشكالات في سبيل المعالجة الجذرية لتلك المشكلات الناتجة عنها. والنهج العام الأمثل لمعالجة الإشكالات الثقافية هو التزكية الثقافية أي الإنماء الثقافي الراشد الذي تمكن الثقافة من التخلص من مضامينها السلبية واكتساب مضامين وقيم راشدة. ومع استمرار نموها على نحو صحي راشد تتمكن الثقافة من مقاومة عوامل الفناء ومواجهة محاولات الهيمنة. والثقافة التي تتوقف عن النمو لا يمكنها، في ظل اضطراد نمو الحياة، أن تقاوم طويلا عوامل الفناء وهجمات الهيمنة.

وتزكية الثقافة هي بالضرورة مهمة مجتمعية حيث يتعين أن تنتظم عملية التزكية كل قطاعات المجتمع وتشترك فيها كل فاعليات ومؤسسات المجتمع كل حسب قدراتها ومهامها ووظيفتها. وبحكم قدراتها ومهامها ومميزاتها- وخاصة ميزة كونها مجتمع نخبوي- وكذلك بحكم متطلبات وظيفتها المتمثلة في قيادة حركة التغيير الاجتماعي ينبغي أن تمثل الجامعات المؤسسة الأمثل لقيادة مهمة التزكية الثقافية . ولعل من الواضح أنه ما لم تتمكن الجامعات من قيادة عملية التزكية الثقافية فليس من المحتمل أن تتمكن من قيادة حركة التغيير الاجتماعي والذي يمثل التغيير الثقافي جوهره وأساسه ومصدر زخمه وقوته الدافعة الذاتية.

وهناك الكثير مما يتعين على الجامعات فعله في اطار دورها في التزكية الثقافية والوفاء بمسئوليتها عن قيادتها. ولا يتسع مثل هذا المقام لأكثر من الإشارة إلى بعض الخطوط العامة لهذا الجانب من الدور الثقافي للجامعات.

من تلك الخطوط العامة:

-الإسهام الفاعل في وضع السياسات الثقافية التنموية التي توجه وتناغم بين جهود كافة المؤسسات الرسمية والشعبية وفي وضع المناهج التربوية الثقافية للمؤسسات التعليمية . ومن الواضح أن ذلك متطلب من متطلبات قيادة حركة التغيير الاجتماعي وقيادة عملية التزكية الثقافية.

- علموة الثقافة: إن ترشيد وتعظيم إيجابيات العلاقة بين العلم والثقافة يتطلب ليس فقط "تثقيف العلم" بمعنى ضبط السلوك العلمي بالضوابط والقيم الثقافية وتحويل العلم إلى ثقافة على نحو ما سلف بيانه وإنما يتطلب أيضاً "علموة الثقافة" بمعنى تجذير البعد العلمي في البنية الثقافية كلها وجعلها ثقافة علمية أي تلتزم بمعايير التفكير العلمي والسلوك العقلاني في كل حالاتها وأوضاعها حتى تنكمش وتتضاءل - وإن امكن تنتفي- ما سبقت الإشارة إليه من ظاهرة الثنائية الثقافية إلى اضيق نطاق ممكن كخطوة لازمة لمعالجة سلبيات هذه الثنائية.

- تجسيد نموذج المجتمع الأمثل ثقافيا: كيفما كان اسهام الجامعة في إنماء الجانب النظري من الثقافة سيظل استكمال اسباب تفعيل دورها الثقافي في المجتمع متوقفا على قدرتها على تجسيد القيم والسلوكيات التي تدعو إليها على مستوى الواقع في اطار الوسط ( المجتمع) الجامعي. فمثلاً، نجاح الجامعة في تنظيم الوسط الجامعي وادارته، سواء على المستوى الطالبي أو مستوى الأساتذة والعلاقة ما بين المستويين, على اسس شوروية ديمقراطية سليمة يمكن أن يكون له أثر أيجابي اكبر من التبشير الثقافي النظري غير المصحوب بنموذج واقعي في ترسيخ قيم الشورى والديمقراطية في المجتمع (خارج الجامعة). والتزام افراد الوسط الجامعي بنبذ السلوكيات اللاعقلانية سواء على مستوى العادات الشخصية كالتدخين أو على مستوى العلاقات البينية كالعنف من شأنه أن يقدم للمجتمع نموذجا عمليا مثاليا يتطلع إليه افراده ويعطي للخطاب الثقافي الجامعي مصداقية أكبر.

الدور الثقافي للجامعات عربيا وإسلامياً:

كان ما تمهد عن الدور الثقافي للجامعات عموماً ولعل اكثر ما ورد فيه ينطبق على الدور الثقافي العام لسائر الجامعات في العالم بغض النظر عما هناك من اختلافات واضحة في أوضاعها. بيد أن وجود دور ثقافي عام مشترك بين سائر الجامعات لا يعفي الجامعات مما قد يكون لبعضها من دور ثقافي خاص يتحدد في اطار خصوصيات الوضع الثقافي للمجتمع حولها وكذا الوضع القائم لتلك الجامعات وخاصة في ما يتعلق بدورها الثقافي وما تتوافر لها من امكانيات وموارد.

وفي ما يتعلق بالجامعات العربية والإسلامية فإن الملمح العام للثقافة الحية أو الفاعلة في المجتمع حولها هو الضعف إن لم نقل التخلف . وهو ضعف لا يمكن انكاره إلا بقدر ما يمكن انكار ضعف حال الامة العربية الإسلامية اليوم والذي نحسب أنه هو الحقيقة المرة الوحيدة التي نجمع عليها علنا ولا نملك إلا أن نوافق فيها غيرنا من الناصحين لنا والشامتين بنا على السواء. وضعف حال الامة العربية الإسلامية اليوم هو نتيجة لازمة لعوامل ذاتية وفي مقدمتها ضعف ثقافتها الحية قبل أن يكون نتيجة لعوامل خارجية وأيضاً قبل أن يكون سببا –

ما قد يجادل البعض بحق- في تكريس ضعف الثقافة العربية الإسلامية.

ولا يناسب المقام الدخول في تفصيل مظاهر ضعف الثقافة العربية الإسلامية السائدة ولكن المقام قد يتطلب اشارة موجزة إلى تلك المظاهر من حيث كونها تمثل شاهداً آخر على هذا الضعف.

ففي جانبها النظري، من الواضح أن الثقافة العربية الإسلامية السائدة تعاني من تغلغل التفكير اللاعلمي، وعدم وضوح الرؤية، ووجود قابلية عالية لدى قطاع كبير من ابنائها لتقبل الخطاب الخرافي، والميل للتلقي والتقليد، والتقييم العاطفي، والافتقار للإبداع .

وفي جانبها السلوكي، تبرز الثقافة العربية الإسلامية العديد من اوجه السلوك اللاعقلاني والممارسات الخرافية والمواقف المتناقضة. ولا تمثل ما يعاني منه المجتمع العربي الإسلامي من استشراء الحروب المدنية/ القبلية والصراعات المسلحة غير المبررة والاستبداد السياسي واختلال العلاقات العائلية والنوعية والعادات الشخصية القاتلة وتناقض الموافق من الآخر الثقافي بين الانبهار والعداء الصدامي غير المؤسسين سوى بعض أوجه الخلل السلوكي في الثقافة العربية الإسلامية.

وصحيح أن الجامعات العربية والإسلامية ليس هي السبب في ضعف الثقافة العربية، فهو ضعف سابق لظهور هذه الجامعات، كما أنها لا تتحمل وحدها المسئولية عن استمرار هذا الضعف، بيد أنه لا يمكن إغفاله ناهيك عن انكار دلالة تعثر جهود معالجة هذا الضعف على اختلال وضعف الدور الثقافي للجامعات العربية والإسلامية ليس فقط لأن تعثر جهود المعالجة مؤشر على خلل في مهمة قيادة التغيير أو الإنماء الثقافي والتي هي- كما سبق التوضيح- مسئولية الجامعات وإنما لأنه حتى تعثر الجهود الثقافية للمؤسسات الأخرى يعود أيضاً جزئيا إلى الجامعات لأن ضعف أداء قيادات وكوادر تلك المؤسسات والذي تسبب في تعثر جهودها الثقافية إنما يعكس ضعف إعداد الجامعات لتلك الكوادر والقيادات لدورها الثقافي.

ومظاهر ضعف الدور الثقافي للجامعات العربية والإسلامية والتي تشكل شاهدا آخر على هذا الضعف عديدة .

على سبيل المثال على الصعيد الداخلي( الوسط الجامعي):

-لم تتمكن الجامعات العربية والإسلامية حتى اليوم من النجاح في ما نجحت فيه الجامعات الغربية من تجذير الثقافة العلمية في الوسط الجامعي. فطلاب هذه الجامعات وإن كانوا يتلقون فيها العلم بمختلف فروعه فإن دافعهم الأساسي- وغالباً الوحيد- لذلك يبقى ويظل هو فقط التأهل لوظيفة/ مهنة يرتزقون منها ومازالت جامعاتنا عاجزة عن تطوير هذا الدافع إلى دافع علمي أساساً وأولاً ووظيفي ثانيا. وحيث أن مثل هذا التطوير إنما يتم بجهد ثقافي تعمل الجامعات من خلالها على اكساب الطلاب الثقافة العلمية أي التوجه العلمي الإبداعي فإن من الواضح أن فشل الجامعات في هذا المجال إنما هو مظهر من مظاهر ضعف دورها الثقافي.

ولا يجدي كثيراًً هنا ما قد يقوله البعض من أن طلاب جامعاتنا يكتسبون الثقافة العلمية ولكنه لا تتوافر لهم معامل ومراكز البحوث التي تمكنهم من الإبداع، فصحيح أنه لا تتوافر مثل هذه الامكانات على النحو المطلوب ولكن كيف نفسر ضعف -إن لم نقل غياب- الإسهام الإبداعي العربي الإسلامي حتى في العلوم النظرية والتأملية كعلوم الفلسفة والاجتماع والفقه و...الخ والتي لا تحتاج كثيراً إلى مثل تلك الامكانات المفقودة والتي ابدع فيها بعض سلفنا ولما تتوافر لهم بعض امكانياتنا الحالية بل ولما تظهر بعد الجامعات الحديثة؟ أن من الامور التي تحتاج إلى تأمل موضوعي أنه ما زالت مقررات جامعاتنا حتى في العلوم النظرية أو الانسانية تقوم أساساً على شرح النظريات والأفكار ومناهج الدراسة والتحليل الغربية وإن تضمنت شيئا من النظريات والأفكار العربية أو الإسلامية فهي أفكار ونظريات من تراثنا وليس من إبداع جامعاتنا أو خريجيها.

 عجزت جامعاتنا عن تقديم نموذج المجتمع الثقافي الذي يمكن أن يمثل مثالا ينشده المجتمع العربي الإسلامي. فرغم نخبويتها لا تكاد مجتمعاتنا الجامعية تختلف في سلوكياتها وثقافتها عن سلوكيات وثقافة المجتمع العربي الإسلامي بكل شوائبه وسلبياته

وعلى الصعيد الخارجي نلاحظ، على سبيل المثال:

-لا نكاد نجد لجامعاتنا اسهاما يذكر في وضع السياسات الثقافية الوطنية / القومية كما لا نكاد نجد عندها برنامجا أو خطابا ثقافيا محدداً موجها للمجتمع حولها بل يلاحظ ضعف أو غياب الإسهام الجامعي الثقافي حتى في برامج اعوام عواصم الثقافة العربية. ولايكاد العمل الثقافي لجامعاتنا يتعدى المواسم/ الأسابيع الثقافية التي درجت على تنظيمها البعض القليل من الجامعات. وكان من المفترض أن تعمل جامعاتنا على التعاون معا في وضع مشروع ثقافي عربي إسلامي يؤسس للتغيير الاجتماعي المنشود في المجتمع العربي الإسلامي

- ضعف تصدي جامعاتنا لحملات التشويه الخارجية للثقافة العربية الإسلامية مع أن جزءا غير قليل من هذا التشويه صادر عن جامعات اجنبية أو مؤسسات اكاديمية وثيقة الصلة بها كما هو حال الكثير من الدراسات الاستشراقية غير الموضوعية.- بينما تخصص الجامعات الاجنبية برامج رئيسية لدراسة المجتمع العربي الإسلامي وثقافته لا نكاد نجد عند جامعاتنا برامج مثيلة لدراسة المجتمعات الأخرى ولم يوجد حتى الآن- مثلاً- دراسات استغرابية على مستوى الدراسات الاستشراقية

- بينما تقوم الجامعات والمؤسسات الاكاديمية الاسرائيلية بجهود اكاديمية ثقافية واضحة موجهة للمجتمع العربي تهدف إلى تحقيق ما يسمى بالتطبيع الثقافي، نحسب تمهيدا للهيمنة الثقافية، لا نكاد نجد لدى جامعاتنا جهودا اكاديمية ثقافية تواجه وتستبق النوايا السلبية للجهود الثقافية للجامعات الاسرائيلية.

- في الوقت الذي ينمو فيه باضطراد تحدي العولمة للثقافات بما فيها الثقافة العربية الإسلامية لم نسمع بعد عن شروع جامعاتنا في وضع مشروع اكاديمي جماعي يستطلع الآثار المحتملة للعولمة على الثقافة العربية الإسلامية ويقترح المعالجات المناسبة.

صحيح أن بعض اساتذة أو خريجي جامعاتنا لهم عطاءات علمية ثقافية مقدرة في الجوانب المذكورة آنفا ولكنها لا تمثل غير جهود فردية ربما حاولت بعض المراكز دعم بعضها وكان المأمول أن تسارع الجامعات إلى تنظيم مثل هذه الجهود في اطار برامج تحقق التنسيق والتعاون والتوجيه وتكفل الدعم وتنوع الموارد العلمية والفكرية.

وكان المفترض أن تمثل حقيقة ضعف الثقافة العربية الإسلامية السائدة وضرورة معالجة هذا الضعف الهم الأساسي للدور الثقافي للجامعات العربية والإسلامية وأن تمثل معالجة ملامح ضعف هذه الثقافة وملامح ضعف الدور الثقافي للجامعات العربية داخليا( المجتمع الجامعي) وخارجيا سواء تجاه المجتمع العربي الإسلامي أو الثقافات الأخرى محور خصوصية هذا الدور.

وكون الجامعات العربية والإسلامية لم تقم بهذا الدور المفترض على النحو المرغوب ينبغي أن يدفع المعنيين للبحث عن العوامل التي حالت دون قيام الجامعات العربية بدورها الثقافي أو اضعفت هذا الدور.
عوامل ضعف الدور الثقافي للجامعات العربية والإسلامية:

يحسن بنا بدءا أن نؤكد على بعض النقاط العامة الأساسية التي تشكل الإطار العام الذي ينبغي أن تفهم ضمنه مقولة ضعف الدور الثقافي للجامعات العربية والإسلامية. ومن هذه النقاط:

إن مشكلة ضعف أو اختلال الدور الثقافي للجامعات لا تخص الجامعات العربية والإسلامية فقط ولكنها تعم تقريبا سائر جامعات ما يسمى بالعالم الثالث أو النامي بل لا يسلم من اختلال الدور الثقافي للجامعات - كما تشير الملاحظات السابقة على ثقافة المجتمع الغربي- جامعات ما يسمى بالعالم المتقدم والتي وإن استطاعت أن تحقق نجاحات مشهودة في بعض الجوانب الثقافية مثل تعزيز ثقافة العلم إلا أنها لم تحقق النجاح المرغوب في جوانب أخرى مثل تعزيز القيم الثقافية التي تساعد على ضبط السلوك العلمي، وتجذير البعد العلمي في البنية الثقافية.

إن ضعف/ اختلال الدور الثقافي للجامعات العربية والإسلامية هو جزء من الضعف/الاختلال الذي يشوب مختلف ادوار الجامعات العربية والإسلامية بما فيها دورها العلمي ودورها التنموي ودورها السياسي و..الخ. وضعف/ اختلال ادوار هذه الجامعات هو بدوره جزء من الضعف/ الاختلال المجتمعي العام للبيئة الخارجية لهذه الجامعات أي ضعف/ اختلال المجتمع العربي الإسلامي.

يعزى ضعف أو اختلال الدور الثقافي للجامعات العربية والإسلامية إلى عوامل عديدة بعضها داخلية أي مصدرها الجامعة( بأساتذتها وطلابها) وبعضها خارجية مصدرها المجتمع الخارجي وخاصة ولكن ليس بالضرورة فقط المجتمع العربي الإسلامي. ومع أن الجامعات لا تتحكم في العوامل الخارجية المشار إليها إلا أنه من المتعذر اعفاؤها تماما من بعض المسئولية عن تلك العوامل الخارجية حيث أن اكثر مؤسسات المجتمع التي هي مصدر هذه العوامل غالباً ما تستمد قياداتها وكوادرها من هذه الجامعات مما يعني أنه لو كانت هذه الجامعات قد احسنت أعدادهم وتوجيههم ثقافيا لكانوا بالتأكيد أفضل تجاوبا مع الدور الثقافي للجامعات واكثر حرصا على احترامه وتفعيله ودعمه.

مع الاخذ في الاعتبار بالنقاط المشار إليها آنفاً يمكن القول أن من أهم العوامل الخارجية التي تعمل على اضعاف الدور الثقافي للجامعات التدخل الخارجي السلبي( سواء من الانظمة الحاكمة أو القوى التقليدية المناهضة للتغيير الثقافي)، وضعف التقدير الرسمي والمجتمعي للعمل الثقافي ( عدم استشارة الجامعات في الشأن الثقافي)، وضعف الإعداد الثقافي المدرسي للطلاب المقبولين في الجامعات، ومحدودية الموارد المالية المخصصة للجامعات، والامية بمختلف اشكالها، وضعف العائد المعنوي والمادي للعطاء الثقافي.
ومن بين العوامل الداخلية أي المتعلقة بالوسط الجامعي نفسه والتي تكرس اضعاف الدور الثقافي للجامعات :

تقليدية الثقافة الجامعية:

لا تختلف الثقافة السائدة في الجامعات العربية والإسلامية كثيراً عن الثقافة السائدة في المجتمع العربي الإسلامي والتي تتسم عموماً بالتقليدية . ومما يعيب الثقافة التقليدية في ما يتعلق بالمسألة محل النظر هنا أي ضعف العمل أو الدور الثقافي:

-النزوع لإبقاء ما كان على ما هو كائن والاحتفاظ دون تغيير بما هو موروث ليس فقط الموروث الديني والفكري وإنما أيضاً ما هو موروث من الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ومثل هذا النزوع غالباً ما يكون مؤسسا على ما تكرسه الثقافة التقليدية من الاقتناع بأن ما كان أو ماهو كائن يمثل الوضع الأمثل و/ أو الاسلم ودائماً ما يكون مقرونا أو مشفوعا بالتهيب من ما قد يستلزمه تطوير المجتمع من تغيير أساسي وتحديث واسع وهو ما يضعف الدافع للتغيير الاجتماعي. ومن الطبيعي أن ينتج عن ضعف الدافع لدى الوسط الجامعي لتغيير وتطوير المجتمع حوله ضعف الدور الثقافي للجامعة في المجتمع إذ أن مثل هذا الوسط الجامعي غالباً ما يفتقر أساساً إلى الاحساس أو الشعور بضرورة القيام بأي دور، ثقافي أو غير ثقافي، لتطوير المجتمع.

2- ضعف إدراك أهمية ومدى قوة العامل الثقافي كعامل تغيير. وهو ما يدفع بمن يتطلعون من اصحاب الثقافة التقليدية إلى بعض التغيير الاجتماعي والذي عادة ما يكون تغييرا شكليا ومحدودا إلى العزوف عن التوسل بالعمل الثقافي واللجوء بدلا عنه إلى وسائل أخرى غالباً ما تقوم على استخدام القوة كالاستقواء بالسلطة السياسية وإن تطلب ذلك القيام بانقلاب عسكري أو ممارسة العنف السياسي.

-وصحيح أن هناك البعض من اساتذة الجامعات العربية والإسلامية والبعض الأقل من طلابها ممن انعتقوا من ربقة الثقافة التقليدية (الموروثة) واغراء التقليد الثقافي ( للآخر) ويتطلعون إلى التغيير الاجتماعي والبعث الحضاري من خلال، أساساً، العمل الثقافي والتجديد الثقافي إلا أن دورهم ما زال محدودا في ظل العوامل الأخرى والمثبطات الكثيرة التي تعوق جهودهم.

-ضعف الاهتمام بالثقافة:

ربما أساساً بسبب تقليدية ثقافتها لا تهتم الجامعات العربية والإسلامية كثيراً بالشأن الثقافي . وضعف اهتمام هذه الجامعات- كمؤسسات- بالثقافة تعكسه ضآلة الموارد المالية التي تخصصها للعمل الثقافي وضعف بناها التحتية الثقافية كالمسارح والمكتبات والصالات الثقافية وعدم توافرها على برامج ثقافية محددة. اما ضعف اهتمام الطلاب بالثقافة والعمل الثقافي فيظهر جليا من ضعف حرص الطلاب على الحضور والمشاركة في النشاطات الثقافية الجماعية ومن محدودية ما يبذلونه من نشاط أو جهد ثقافي فردي كالاطلاع الشخصي. ولعل الكثير من طلاب الجامعات تنقضي فترات دراساتهم الجامعية دون أن يكونوا قد فكروا بجدية، ولو مرة واحدة، في محاولة الاطلاع على ما سوى الكتب والملازم المقررة وربما على ما سوى فقط أجزائها المحددة من قبل اساتذة المواد المعنية وبالتالي، فإنهم عادة ما يتخرجون من الجامعة دون أي تغيير يذكر في وضعهم وبنائهم أو اهتمامهم الثقافي عما كان عليه عندما دخلوها أو عندما تخرجوا من المدارس الثانوية.

الجامعات العربية والإسلامية، حيث لا يكاد مجتمع الأساتذة فيها يختلف كثيراً عن مجتمع طلابها من حيث الخمود أو ضعف النشاط الثقافي، وقليل من الأساتذة من يوجه الطلاب أو يقوم هو شخصيا بممارسة عمل ثقافي منظم موجه للمجتمع الخارجي. وقد لا يكون ذلك أمراً مستغربا كثيراً إذا ما تذكرنا أن اكثر هؤلاء الأساتذة قد درسوا في وتخرجوا من ذات الجامعات التي لا تولي للثقافة اهتماما كبيرا.
وبالاضافة إلى ما يسود الجامعة والمجتمع حولها من ثقافة تقليدية لا تقدر الثقافة حق قدرها، مما يولد الشعور لدى الأساتذة والطلاب على السواء بضعف عائد العمل الثقافي سواء العائد المعنوي أو المادي، تتضافر عوامل أخرى على اضعاف الاهتمام بالعمل الثقافي ومن هذه العوامل ما يتعلق بالجامعة من مثل ما تضعها بعض الجامعات من عوائق عملية وأحياناً قيود قانونية غير مبررة - غالباً بإيحاء خارجي-على النشاط الثقافي أو انواع معينة منه.

ضعف التأهيل الثقافي:

لا تقدم الجامعات العربية والإسلامية لطلابها ما يكفي لحسن إعدادهم وتأهيلهم ثقافيا. فالمادة الثقافية التي تتضمنها المقرات الجامعية فقيرة نوعا ولا تهدف إلى إثارة الاهتمام والتأهيل الثقافيين اللذين يولدان الإبداع الثقافي والعلمي بقدر ما تهدف إلى التحصين الثقافي ولكن بأسلوب عاجز وعلى نحو اقرب إلى تكريس الثقافة التقليدية، ومناهج التقويم الجامعية لا تعطي اعتبارا كافيا للأداء أو العمل الثقافي وبالتالي لا يشجع الطلاب ولا الأساتذة على الكسب أو العطاء الثقافي، وكثيراً ما تكون البنى الثقافية اللازمة لانتعاش وممارسة العمل الثقافي كالمسارح والمكتبات والصالات الثقافية محدودة وضعيفة الإعداد والتجهيز في هذه الجامعات ومما يدعو للغرابة أنه في بعض هذه الجامعات تكون بعض هذه البنى أو الخدمات، كالمكتبات، متاحة فقط اثناء الدوام الرسمي والذي يكون فيه الطلاب والأساتذة مشغولين بالمحاضرات مما يقلل فرص الاستفادة منها في العمل الثقافي. وبالرغم من أهمية مقررات من مثل مناهج البحث في التاهيل الثقافي للطلاب وتعزيز قدراتهم على الإبداع الثقافي وفي تكريس الثقافة العلمية التي يفتقر إليها طلاب الجامعات العربية والإسلامية إلا أن تدريسها لا يحظى بالاهتمام والتركيز اللذين تستحقهما.

ضعف التنوع الثقافي: توجد في الجامعات الغربية أعداد لا بأس بها من الطلب بل والأساتذة ذوي الثقافات غير الغربية مما يدفع للتفاعل والعطاء الثقافي لا توجد في الجامعات العربية والإسلامية أعداد كافية من الطلاب غير ذوي الثقافة العربية الإسلامية.

بالإضافة إلى جدة أو حداثة الكثير من الجامعات العربية والإسلامية: (الافتقار للخبرة في العمل الثقافي

 


تصميم مسعود عمشوش