![]() |
|
الفضاء التاريخي في الرواية التاريخية
بين علي احمد باكثير وجورجي زيدان -نموذجا د. عبدالله الخطيب إن الاعتماد على التعاريف المخصصة لكل اسناد نظري يبحث في علاقة الرواية بالتاريخ من شأنه أن يقود الباحث نحو إعادة التفكير في إشكال كبير يخص علاقة الأدب بالتاريخ وهذا يجعلنا نطرح عدة أسئلة من مثل : هل الرواية التاريخية هي التي تعتمد الحدث التاريخي مرجعية للحدث الروائي ؟ وبالتالي فإن في هذه الحالة مرجعيتين : مرجعية حقيقية متصلة بالحدث التارخي ، ومرجعية تخيلية مقترنة بالحدث الروائي . وهذا يصل بنا إلى سؤال هام : كيف يشتغل الحدث التاريخي ضمن الحدث الروائي ؟ أي كيف يشتغل الحقيقي ضمن التخييلي ؟ وفيما يتعلق بالتزام الروائي حقائق التاريخ، يقول لوكاتش: " يجب أن تكون الرواية أمينة للتاريخ، بالرغم من بطلها المبتدع وحبكتها المتخيلة " ( [1] ). والناقد هنا يرى أمرين، يتمثل الأول في ضرورة الالتزام بحقائق التاريخ الكبرى دونما تغيير أو تزييف، فيما يقوم الأمر الثاني على جواز استيعاب الرواية التاريخية للبطل الروائي غير الحقيقي، والحبكة الفنية المتخيلة على خلفية صيرورة الأحداث التاريخية الحقيقية. والروائي في استلهامه للتاريخ يعيد ترتيب الأشياء وتوزيع الأدوار كما يريد، تأصيلا لرؤيته التي يقيم بناءها في معماره الروائي الجديد. والروائي في انتخابه للأحداث التاريخية التي تشد نسيج النص ببنيته العميقة والشكلية المتماهيتين " يقدر المسافات، ويشكل الألوان، ويصور الأماكن والحالات، ويركب الحوارات، ويبني المشاهد، ويتعمق في الأمزجة، ويفسر المواقف، ويصوغ ردود الفعل، وينزل إلى حيث تمفصلات المجتمع في مكان وزمان معينين" ( [2] ). ليخلق بعد ذلك نصا إبداعيا نواته وحدة التجربة الإنسانية، بمعنى أن ثمة أشياء تتجاوز المكان والزمان لتكون الجوهري في الإنسان. وقبل الولوج في دراسة روايتي زيدان وباكثير يحسن بي التعريف بكليهما في أسطر قليلة : يعد الدارسون جورجي زيدان ( 1861 -1914 م ) أبا للرواية التاريخية العربية و " على الرغم من وجود بعض المحاولات * المتواضعة في البيئة العربية للرواية التاريخية فإن جورجي زيدان قام بتثبيت هذا الفن وتأكيد سمات معينة له معنى يكررها في كل أعماله بعد أن نحجز المذهب عنده " ( [3] ) فهو أول من اختط قلمه في كتابتها وتقعيد أصولها و أسسها وقد قدم زيدان إحدى وعشرين رواية تاريخية اعتمد في المرتبة الأولى على الحقائق التاريخية كما رآها هو لا كما هي الحقيقة وقد عرفت هذه الروايات باسم ( روايات تاريخ الإسلام ) وتناولت أحداثا إسلامية امتدت من صدر الإسلام إلى أواسط القرن السابع الهجري . وبصمات هذا الأديب واضحة في نشأة هذا اللون من الأدب ، فنتيجة لنقص الجانب الفني في الكتب التاريخية وعدم تحمل الناس لمشقة استيعاب التاريخ إذا ما قرىء على شكله التاريخي لجأ جورجي زيدان إلى كتابة الرواية التاريخية حينما " وجد أن الكثيرين لا يصبرون على فهم أسلوب أمثال الطبري والمسعودي واليعقوبي وابن خلدون وغيرهم من مؤرخي الإسلام فحفزه ذلك على كتابة الرواية التاريخية " ( [4] ) التي من شأنها أن تزيل السآمة عن القارئ وتضفي على الحدث التاريخي لونا أدبيا لامعا تجذبه إلى قراءتها والاستمتاع بأحداثها . وإذ يحفظ لزيدان هذا الصنيع الحسن وهذه الريادة الأدبية للرواية التاريخية يؤخذ عليه تزييفه الحقائق التاريخية التي تعمدها زيدان في رواياته وتشويه الشخصيات الإسلامية والتقول على التاريخ الإسلامي ما هو منه براء . أما علي باكثير ( 1910 - 1969م ) فقد كتب رواياته في ظروف حالكة شهدت تطورات جساما على الساحة الدولية ، وكثير منها أضر بمصالح الأمة العربية وأفقدها جزءا هاما وحساسا من كيانها ووحدتها وشموخها . وهذه الاحداث فرضت عليه طبيعة اختياره لمنهج رواياته وأسلوبها ، ذلك أن الجيل الذي التحق باكثير في ركبه - وهو جيل الجامعيين أصحاب التيار المحافظ – مثل فريد أبو حديد وعبد الحميد جودة السحار لجأ إلى فن الرواية التاريخية ليعبر عن سلسلة أفكاره وتوجهاتها وتطلعاتها في إيجاد مخرج من مأزق النزاعات السياسية بين العرب أنفسهم والعرب والعدو الخارجي " فحرص باكثير في رواياته على اختيار أهم المواقف في التاريخ العربي الإسلامي ، وهي مواقف السقوط والنهضة لتستخلص منها الأجيال الحاضرة محصلة التجربة " ( [5] ) ، وتتجنب آفات الماضي ومزالقه وتستشرف المستقبل بوعي وإقدام مبني على التثبت والثبات والنهوض نحو الغد الباسم بخطوات تمكنها من ترك بصمات ناصعة في تاريخ الحضارة المعاصرة . ويذهب عبد العزيز المقالح في بحث له إلى أن المصادفة هي السبب في اختيار باكثير رواياته التاريخية " إن أهم الأسباب تكمن في المصادفة التي جعلته يلتقي في بداية أمره بالكتابة الأدبية مع جماعة من الشبان الروائيين منهم نجيب محفوظ و …. ، ونستطيع أن نتصورهم الآن في بداية نشأتهم مجموعة من الأصدقاء تجمعهم هموم مشتركة في الفن والفكر وقد اتخذوا الرواية وسيلة للإفضاء ومحورا تظهر من خلالها أفكارهم الفتية " ( [6] ) ، أعتقد أن المصادفة التي يتحدث عنها المقالح بعيدة كل البعد عن أديب أشرب حب أمته واعتز بانتمائه إليها ، ليرفع قلمه ويسطر كلاما مجاملة لزملائه ، أو سيرا في ركب مقطورة آنية جاءت استجابة لرغبات فتية ! – كما يقول –وأرجح أن باكثير قام بهذا العمل الشاق منطلقا من " رغبة حقيقة في تحدي أولئك الذين تنكروا لتاريخ الأمة الإسلامية ، الذين راقت لهم فكرة الالتحاق بالحضارة الغربية والكتابة على نسق أدبائهم والنسج على منوالهم " ( [7] ) سبب اختيار الروايات آثرت أن تعتمد الدراسة على روايتين متقاربتين في الأحداث وفي شخوصهما ولو كان التشابه عاما ، فوقع الاختيار على الروايتين المذكورتين آنفا- لزيدان وباكثير - ، على الرغم من علمي أن رواية باكثير " وا إسلاماه " هي الأفضل ؛ وأن رواية زيدان " شجرة الدر " تفضلها روايات أخرى من حيث البناء الفني والموضوعي من روايات زيدان إلا أن التشابه العام في أحداث الروايتين كان السبب الرئيس لهذا الاختيار. هدف الكتابة عندهما هدف الكتابة عند زيدان : ينظر بعض الدارسين إلى روايات جورجي زيدان على الرغم من كثرتها وأسبقيتها إلا أنها لم تكن تهدف إلى إحياء الماضي بتراثه وأمجاده ، وأن زيدان لم يدع أبدا إلى القومية العربية ، إذ إن رواياته تكشف عن ضعف إحساسه بالانتماء إلى العروبة والمصرية ، إضافة إلى تأثره الواضح بما ادعاه و افتراه بعض المستشرقين على التاريخ العربي والإسلامي والمصري ، فقلل من قيمة الانتصارات الإسلامية وشوه صورة الشخصيات الإسلامية خاصة البارزة منها كالخلفاء والقادة العظام . فأحمد هيكل ومحمد يوسف نجم وعبد الحميد القط يرون أن الدافع من وراء كتابة زيدان رواياته " أن يكسب للتاريخ أكبر عدد من القراء العاديين فاختار له شكل الرواية التي تيسر قراءته وتجذب القراء إليه " ( [8] ) . أما عبد المحسن طه بدر فيذهب إلى أن " ما دفع زيدان إلى التركيز على الرواية التاريخية يرجع إلى بعض المحاولات التي سبقته في هذا الميدان وأهمها محاولة سليم البستاني " ( [9] ) ، ويرى مصطفى علي عمر " أن الدافع مواكبة المستشرقين في النيل من العروبة والإسلام واتهام خلفاء المسلمين بالوصولية " ( [10] ) ، أما محمد عبد الغني حسن فيرى أن زيدان " قد استطاع أن يكتسب برواياته التاريخية جمهورا من القراء لا يحصى عددهم من أصحاب الثقافات ومن متوسطي الثقافة وممن يجدون في الروايات متعة وتسلية " ( [11] ) . وعلى أية حالة فأرى أن زيدان لم يسع إلى تمجيد التاريخ الإسلامي والعربي والمصري لا بوصفه نصرانيا وإنما لتأثره الشخصي بالمستشرقين ولدوافع شخصية ربما الدين أحدها ؛ لكنها لا تمثل وجهة نظر دينه الحقيقي . هدف الكتابة عند باكثير إن الناظر إلى روايات الروائي باكثير يلمس أفق الإسلام في رواياته ، وإذكاء روحه وأحكامه ،وأنا لا أحاكم الروائي لاعتماده المنهج الإسلامي أو لبعده عنه فحسب ، وإنما بوصفنا عربا أيضا أحاكمه لصونه التاريخ العربي وإشادته بقادة العرب العظام على مر العصور ، و أحاسبه جدا إذا ما شوه صورة هذا التاريخ الحافل بانتصاراته وقادته ورجاله . فالناظر إلى روايات باكثير يجد أنه أعلى من قيمة التاريخ الإسلامي والعربي ودعى إلى قيم الإسلام والعرب ومجد التاريخ المصري . وغالب الظن أن اختلاف هذه الدوافع يكمن وراءه سبب لعله يتلخص في اختلاف الظروف البيئية والثقافية لكل منهما حيث أدى هذا إلى اختلاف دوافعهم في الكتابة . بين زيدان وباكثير يختلف زيدان عن باكثير من حيث تناول كل منهما لموضوعات قصصه ، فزيدان قد تناول " في سبع عشرة رواية له تاريخ العرب والإسلام حتى عصر صلاح الدين الأيوبي ، وأربع روايات تتصل بتاريخ مصر الحديث وواحدة تدور حول موضوع الانقلاب العثماني " ( [12] ) ، في حين كتب باكثير خمس روايات تاريخية فقط تناولت موضوعات مختلفة ؛ ثلاث منها تتحدث عن تاريخ الإسلام زمن الدول الأموية والفاطمية والعباسية المتأخرة ، ورابعة تحدثت عن حركة ثورية وجدت زمن الدولة العباسية واتخذت من العراق مسرحا لأحداثها ، أما الخامسة فقد تناولت موضوعا اجتماعيا لا علاقة له بالسياسة استمدت أحداثها من التاريخ الإسلامي ؛ وهذه ميزة لم توجد في روايات زيدان . ويلاحظ أن زيدان كان يختار لكل رواية عنوانا يدل على موضوع تلك الرواية " فهو في بعض الروايات يختار العنوان الذي يشير إلى التاريخ مثل فتح الأندلس والحجاج بن يوسف ، و أحيانا أخرى يختار العنوان الذي يشير إلى الجانب العاطفي مثل فتاة غسان ، وعذراء قريش ، وغادة كربلاء وعروس فرعانة … ، وقد يحتفظ جورجي زيدان لبعض رواياته بالعنوانين : العاطفي والتاريخي فيسمي الرواية أرمانوسة المصرية أو فتح مصر " ( [13] ) ، أما باكثير فإنه اختار لكل رواية عنوانا ربما في غالبها لا يدل العنوان على المحتوى ، فرواية " وا إسلاماه " هي الرواية التي تتناول تاريخا سياسيا هاما في مصر ، و" سيرة شجاع " رواية تتحدث عن الدولة زمن العاضد وما عاشته الدولة زمن هذا الخليفة من انقلابات وزارية وصراعات مع الإفرنج وما شجاع سوى فرد من شخصيات الرواية . وهكذا تجد أن العناوين لا تدل مباشرة على موضوع الرواية . وفي اعتقادي إن لكلا المنهجين سلبيات وإيجابيات : فذكر عنوان دال على المحتوى يسهل على القارئ ربط الأحداث وتفهم دلالاتها ، والإتيان بعنوان ليس فيه دلالة مباشرة لمحتوى الرواية يبعث في نفس القارئ حب الفضول والاستمتاع في قراءة الرواية للوصول لهدف الكاتب ، غير أن ثمة سلبيات لهذين المنهجين وهذا أمر اعتيادي في كل منهج أدبي . ومن منهج زيدان أنه يربط - عادة – كل رواية بالرواية التي تسبقها ؛ لكي يحقق بينهما الارتباط من ناحية ولكي يصنع من رواياته جميعا سلسلة متكاملة متتالية من ناحية أخرى ، فيقدم مثلا رواية " الحجاج بن يوسف إلى القراء بقوله : انتهينا في رواية غادة كربلاء إلى مقتل الحسين بن علي وأهله في كربلاء … " ( [14] ) موازنة بين رواية " شجرة الدر " و" وا إسلاماه " موازنة في المضمون : لم يتقيد جورجي زيدان بالحدث التاريخي - كما هو الحال عند باكثير - و " أعطى نفسه الحرية المطلقة في تفسير أحداث التاريخ في معظم رواياته ، استنادا إلى أن موقف الأديب من التاريخ يختلف عن موقف المؤرخ منه وهذا أمر طبيعي ، ولكن ليس معناه أن يتجاهل الأديب وقائع التاريخ الكبرى وحقائقه الأساسية المتفق عليها ويميل إلى التلفيق والتزوير ، بل معناه أن يتمتع الأديب بحريته الفنية في إطار الحدث التاريخي وتعليله تعليلا فنيا ؛ بحيث يكون مقنعا ومقبولا لما فيه من منطقية وبعد عن الإسفاف " ( [15] ) . وعدم التزام زيدان بالحقائق التاريخية الكبرى ، وتعمده تلفيق الحقائق ، وتصوير الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء والقادة العظام بصورة لا تشابه الصورة الواقعية لهذه الشخصيات واضح في رواياته ( [16] ) . ويمكن لقارئ رواية " شجرة الدر " أن يخرج بحزمة كبيرة من المغالطات التاريخية التي بثها زيدان عن قصد أو دون قصد في روايته المذكورة ؛ مما أضفى عليها طابعا سوداويا لمخالفتها الحقائق الثابتة التي روتها كتب التاريخ وأثبتتها الحقائق . ومن جملة هذه المغالطات ( [17] ) : أولا : يرى جورجي زيدان أن شجرة الدر لم تنل السلطنة في مصر إلا بعد أن أقامت علاقة ودية وغرامية مع عز الدين أيبك ، وأن الأخير كان سببا مباشرا لقبول المماليك البحرية شجرة الدر على السلطنة . " قال [ عز الدين أيبك ] بلغة المحب الولهان : إنما فعلت ذلك خدمة لسيدتي وحبيبتي شجرة الدر وطوعا لأمرها ، فأثر كلامه في خاطرها لأنها تحبه ، فهاجت أشجانها …" ( شجرة الدر / ص 29 ) " قال [ عز الدين أيبك ] أنت الآن مليكتي والقابضة على قلبي وستصبحين غدا ملكة المسلمين وعصمة الدنيا والدين ، قالت : وكيف ذلك أفصح " فأخذ يبين لها الطريقة التي تم فيها اختيارها ملكة " . ( شجرة الدر / ص 30 ) ثانيا : يظن زيدان أن سبب عزل الخليفة لشجرة الدر جاء نتيجة مؤامرة سلافة التي مافتأت تدس على شجرة الدر عند الخليفة حتى عزلها وأغلظ في الرد . متناسيا – زيدان – الغضب الشعبي العارم على تولية هذه المرأة . " قالت [ سلافة ] نعم ، انظر يا سحبان ، إن هذه الجارية التركية لا ينبغي أن تبقى ملكة إلا ريثما تصل أنت إلى بغداد وتعود منها . ففهم مرادها وقال : لك علي ذلك . وهل تريدين أن أذهب بهذه المهمة من عند نفسي أم أكون رسولا منك ؟ قالت : بل تكون رسولا تحمل كتابا مني إلى بغداد ، ولا يصل الكتاب حتى يأتي الجواب بخلعها لا محالة " ( شجرة الدر / ص 39 ) ثالثا : صورت الرواية الخليفة المستعصم رجلا لاهيا عابثا لا يهمه سوى الطرب والغناء ؛ وسماع الموسيقى والتلذذ بالجواري حتى في أحلك الظروف ، إضافة إلى ضعفه الشديد وقلة هيبته أمام أبنائه بل هو أسير هوى ابنه كيفما شاء ابنه فعل . والحق إن الخليفة لم يكن بهذه الدرجة من الطيش والتيه ؛ فصحيح أن بعض الخلفاء ومنهم المستعصم شغفوا بالغناء والجواري ؛ إلا انهم لم يصلوا إلى الحد الذي صوره زيدان في روايته . " وما كاد الوزير يجلس حتى أشار الخليفة إلى المغني أن يعيد ما غناه وراح يظهر طربه الشديد ، متجاهلا ما يقتضيه منصب الخلافة من الوقار ، وكان أعوانه يعرفون ذلك فيه فيعده بعضهم لطفا وظرفا ويعده الآخرون ضعفا وتهاونا " ( شجرة الدر / ص 103 ) رابعا : أظهرت الرواية ابن الخليفة أبا بكر شابا يتدنى مستواه الخلقي ليكون من أبناء الغز ، حيث يتبختر على والده ويتجاهله ولا يتأدب في الحديث معه ولربما أهانه بكلمة أو بتصرف ما . " ثم نهض [ أبو بكر بن المستعصم ] وقال : أستأذن سيدي الوالد في الانصراف الآن لأني على موعد مع بعض القواد للخروج إلى الصيد . وخرج ولم ينتظر إذن والده وأومأ إلى الداودار أن يتبعه فتبعه والمستعصم ينظر إلى ابنه وهو خارج وقد بان اليأس في وجهه ، ثم حول بصره إلى مؤيد الدين وتنهد وقال : صدق القائل ( وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض ) ودمعت عيناه فأطرق مؤيد الدين وهو يتعجب من ذلك الضعف " ( شجرة الدر / ص 103 ) " ولم ينتظر أبو بكر الإذن له بالدخول فدخل والغضب باد في محياه فلما رآه أبوه داخلا استعاذ بالله وابتدره قائلا : ما هذا يا أحمد ؟ ، أهكذا تدخلون على أمير المؤمنين ، أين التربية ووقار الخلافة ، فجلس دون أن ينتظر الإذن " ( شجرة الدر / ص 132 ) خامسا : تقيم الرواية الأحداث السياسية بناء على الحب والغرام ( [18] ) ، فبيبرس ينوي الانتقام من سلافة وعز الدين أيبك والخليفة للعلاقة بينه وبين شوكار التي اختطفتها يد الخليفة من بين يديه . وسلافة تقرب بيبرس في بلاط الخليفة استجابة لرغبتها الجنسية ، بل إنها تدعوه في ليلة من الليالي إلى قصرها لعلها تفوز بلقياه . إضافة إلى العلاقة الغرامية الساخنة بين شجرة الدر وعز الدين أيبك كما سيظهر في النقطة اللاحقة . " فدخل ركن الدين حديقة مظلمة لولا شموع مضيئة لكان الظلام حالكا … استقبلته سلافة بباب القاعة وقد لبست أثمن ما عندها من الحلي والثياب ولم تتنقب إلا قليلا وكان قد تنسم رائحة الطيب قبل أن يراها فمدت يدها للسلام عليه فمد يده وصافحها … فقالت : أنا في خدمتك يا ركن الدين " ( شجرة الدر / ص 84 – 85 ) سادسا : من أقبح ما ذهبت إليه الرواية أنها صورت شجرة الدر امرأة خائنة بكل معنى الكلمة ، فهي تقيم علاقة حب مع عز الدين أيبك أيام حياة زوجها الصالح أيوب ، ثم تقوى هذه العلاقة بعد وفاة زوجها الصالح أيوب ، فتتاجر السلطانة بعرضها من أجل كرسي السلطنة . " فنهضت وأصلحت من شأنها وبذلت جهدها في الزينة لتظهر بين يدي حبيبها في أجمل حالاتها وهذه طبيعة النساء على الإجمال فكيف بمن تعلق على ذلك الحب غرضا سياسيا مهما " ( شجرة الدر / ص 28 ) " وكان عز الدين أيبك يشعر بقوة تلك المرأة وسيطرتها على قلبه ويحبها حب تهيب واحترام لا حب شغف وتلهف . وزاده رغبة فيها ما كان يعلمه من منزلتها عند الملك الصالح وتقدمها في داره ونفوذها عنده ، فتودد إليها وبادلته هي حبا بحب ، ووافق ذلك هواها لأنها مع مطامعها الواسعة لا حول لها " ( شجرة الدر / ص 29 ) سابعا : يقلل زيدان من قيمة الفتوحات الإسلامية التي كانت على يد المظفر قطز وسجلتها كل الكتب التاريخية التي تناولت تلك الفترة ؛ وأشادت بها وبجلتها وبالأخص معركة " عين جالوت " ، بيد أن زيدان أرجع السبب في نصر قطز على التتار إلى رجوع هولاكو إلى بلاده لمرض والده . ولو لم يكن سوى هذا العيب في روايته هذه لكفتها عيبا وتبيانا لحقد هذا الكاتب ونظرته السوداوية القاصرة . " وفي السنة التالية زحف هولاكو على سوريا وبعث يهدد قطز فشاور الأمراء فأشاروا عليه بالحرب وفي مقدمتهم ركن الدين فجرد حملة سار ركن الدين فيها واضطر هولاكو إلى الرجوع لموت والده وأخذ معظم جيشه معه والتقى ما بقي من رجاله بجيش قطز في فلسطين في معركة فاز فيها المصريون وعادوا فائزين " ( شجرة الدر / ص 187 ) ثامنا : شعور القارئ بعدم استقرار أحوال المسلمين أيام الحكم العباسي وكثرة الاضطرابات السياسية والدسائس في أروقة القصر . وهذا ملموس في غير موطن من الرواية . والاضطرابات في العصر العباسي الثاني مذكورة في كتب التاريخ ولا تخفى على ذي علم غير أن صورتها في الرواية مهولة بشكل فظيع أخرجها عن واقعها التاريخي . تاسعا : إذكاء نار العداوة بين السنة والشيعة وإظهار العنصرية في المجتمع العباسي بطريقة كبيرة ، وإعلاء شأن قواد الشيعة على حساب القادة السنيين ، وتجسيد قوة إيمان الشيعة بما تحملوه من مشقة وعذاب في سبيل دينهم وعقيدتهم ، وتبيان أن سبب هذا العداء من السنة هو نصرة الشيعة لدين الله وعلي بن أبي طالب . ويحاول إن يثبت أحقية الشيعة في الخلافة دون السنة . وقد صور حالة الشيعة في المجتمع السني حالة مزرية يعانون من الاضطهاد والقمع في الوقت الذي ينعم فيه السنيون بالعيش الرغيد والهناء المقيم . " فالتفت مؤيد الدين إلى ما حوله كأنه يحاذر أن يسمعها أحد ، ثم نظر إلى سحبان قائلا : لا أوافقك على ما تقول ، ولم أفهم ما تشير إليه . قال : … أشير إلى ما فعله الرشيد بجعفر ، ألم يقتله ويقتل البرامكة لأنهم شيعة ،… غضبت لقومي وملتي ، غضبت للنفوس التي تقتل والأعراض التي تمزق لا لشيء سوى حبها للإمام علي وسائر أهل البيت " ( شجرة الدر / ص 96 ) عاشرا : تبرر الرواية موقف الشيعة من نصرتهم للتتار حتى وكأن الدولة العباسية نفث من الشيطان ، وأن التتار روح ملاك ستطرد الشيطان من بين أظهر الشيعة " وبينما هما في ذلك [ سحبان وركن الدين بيبرس ] إذ رأيا سهما وقع أمامهما ذا شكل خاص لم يعهد سحبان مثله فيما يعرفه من السهام ، فالتقطه وتأمله فرأى عليه كتابة عربية فقرأها ، فإذا هي : إن الرؤساء العلويين الشيعة وكل من لا يقاتلنا آمنون على أنفسهم وحرمهم وأموالهم . فدفع السهم إلى ركن الدين فلما قرأه قال : يلوح لي أن العلويين ينصرون التتر . قال : إن العلويين مظلومون يا سيدي أما كفاهم ما قاسوه من الضيم والعذاب أجيالا ؟ فإذا كانت الغلبة للتر وأنصفوهم فلا حرج عليهم ولا علينا " ( شجرة الدر / ص 152 ) الحادي عشر : تصور الرواية أهل السنة وحوشاً مفترسة يغيرون على النساء فينتهكون حرمتهن ويجبروهن على ما يكرهن ؛ في الوقت الذي يتحمل فيه الشيعة عبئا كبيراً في الدفاع عن أعراض النساء وحمايتهن والحاق الأذى نتيجة هذا الدفاع المستميت عن العرض . " [ قال ] سحبان قد تعودنا هذه الشدائد منهم ولكن … فقاطعه أبوه قائلا : لا ..لا .. هاأنذا قد أدركت الشيخوخة في هذا البلد مع هؤلاء القوم وشاهدت نكبات عديدة ليس فيها واحدة مثل هذه . كانوا يعتدون على بعض المارة أو يتهمون بعض الرجال بأمر يسوغون به لأنفسهم مصادرة ماله أو إهانته أما الآن فإنهم دخلوا المنازل بلا رحمة ولا سبب ، وداسوا مخادع النساء وارتكبوا الفاحشة وقتلوا الأطفال … " ( شجرة الدر / ص 101 ) الثاني عشر : إدعاء زيدان أن اختيار قطز للسلطنة كونه أحد أبناء ملوك خراسان ، متجاهلا المواقف الباسلة التي قادت قدمي هذا الرجل إلى السلطنة ، ثم إن الشعب المصري لم يكن يعلم أيام حكم قطز أنه من أبناء ملوك خراسان ، فالذي كان يُعلم أن قطزا من المماليك ليس غير ، وما نقلته كتب التاريخ من نسب قطز بان بعد أن تولى قطز السلطنة . " وبايعوا [ الشعب المصري وأمراء المماليك ] سيف الدين قطز سنة 657 هـ لأنه من سلالة ملوك خراسان " ( شجرة الدر / ص 187 ) الفضاء التاريخي في روابات باكثير حرص باكثير على الالتزام بالأحداث الهامة التاريخية ، ولم يغير من الحقائق التاريخية ولم يضف حدثا هاما غير تاريخي ، لكنه أضاف أحداثا غير تاريخية كثيرة ليس لها أي تشويه في صورة الشخصيات أو سير الأحداث . وللوقوف على الحدود التاريخية والحدود الفنية في رواية " وا إسلاماه " سأقدم هنا تلخيصا موجزا ، أشير إلى الأحداث التاريخية التي تناقلتها كتب التاريخ التي استطعت الوقوف عليها . ولقد حاولت جاهدا أن أطلع على كتب التاريخ الهامة التي تناولت الأحداث والشخصيات المدروسة في هذه الرواية ، كما حاولت جاهدا أن أقف على جميع الأحداث الرئيسة وتوثيقها من كتب التاريخ ، لكن الجهد البشري يعتوره النقص فمعذرة إن أفلت مني حدث لم أجده في الكتب التي اطلعت عليها . رواية وا إسلاماه : ( 1945 ) وهي رواية تاريخية ، تتناول فترة من فترات الدولة الأيوبية ، وهي الفترة التي انتقل فيها الحكم من الأيوبيين إلى المماليك ، وغزو التتار لمدينة بغداد ، إضافة إلى تولي شجرة الدر حكم مصر ، ومحاربة قطز للتتار وانتصاره عليهم في معركة عين جالوت . من هنا يتبين مدى أهمية هذه الرواية وما فيها من أحداث جسام . تبدأ الرواية بالحديث عن جلال الدين بن خوارزم شاه الذي يعد العدة لمحاربة التتار بمساعدة زوج أخته الأمير ممدود ( [19] ) ، وإبان التجهيز للمعركة يطلب جلال الدين من أحد المنجمين رأيه في نتيجة المعركة ؛ فيتنبأ المنجم بنصر جلال الدين ثم هزيمته ثم يأتي صبي من أسرته ينتصر عليهم ولو بعد حين ، ولما كانت زوجة جلال الدين حاملا وكذلك أخته ، قلق جلال الدين خشية أن تلد زوجته بنتا وأن تلد أخته ولدا يكون هو المقصود بالصبي الذي ينتصر على التتار ، وكانت خشيته في محلها فقد ولدت زوجته بنتا وأخته ولدا ، البنت جهاد والولد محمود ( [20] ) ، لكنه تصبر وشكر الله عز وجل فابن أخته كأنه ولده ، وبعد حين تبدأ المعركة وينتصر جلال الدين على التتار ويعود ظافرا ، لكن زوج أخته الأمير ممدود لم يعد معه فقد قتل في المعركة ، وعند عودته يهاجم جلال الدين الممالك المجاورة له لأنها لم تقف معه ولم تناصره ، ويحصل عند ذلك مذبحة بشعة للمسلمين الأبرياء ، مما يدفع معظم رجال جلال الدين للابتعاد عنه ، وبعد أن تصل الأخبار إلى ملك التتار يغضب غضبا شديدا ويسير جيوشا لمحاربة جلال الدين ، فيلتقي جلال الدين والتتار في معركة عظيمة لاحت دلائل الهزيمة لجلال الدين الذي تركه معظم جيشه ، فيقتل ممن بقي معه عدد كبير ، ويهرب جلال الدين إلى لاهور ويقيم فيها ، لكن التتار لم تلبث أن لحقت به إلى لاهور ، فيهرب منهم لعدم قدرته على مواجهتهم ويبدأ يناوشهم من بعيد ، وأثناء ذلك تختطف ابنته وابن أخته فيحزن عليهم حزنا عظيما يفقده عقله فيسرف في شرب الخمر . مما دفع رجاله إلى تركه فيقتل وحيدا شريدا طريدا ، أما محمود وجهاد ، فيباعان في سوق العبيد ويشتريهما رجل من دمشق ، فيلبثان عنده مدة من الزمن يموت بعدها سيدهما ويبيع ابنه جلنار ( جهاد ) إلى رجل في مصر ، فيحزن قطز ( محمود ) حزنا عظيما . وأثناء وجود قطز في دمشق يتعرف على الشيخ علي الفراش وهو أحد العبيد ، فيعلمه بحقيقة أمره ، وأنه ابن أخت جلال الدين ، فيخبر الفراش سيده ابن الزعيم بحقيقة قطز ، فيشتري ابن الزعيم قطزا ( [21] ) ويعرفه بالشيخ العز بن عبد السلام ، فتتقوى العلاقة بين الشيخ وقطز ، وأثناء مقام قطز عند الشيخ العز بن عبد السلام يخبر قطز الشيخ أن منجما تنبأ بأنه سيحكم مصر ويغلب التتار ، لكن الشيخ يحذره من كلام المنجمين ، وبعد أيام يعود قطز ويخبر الشيخ بأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشره بأنه سيملك مصر ويهزم التتار ( [22] ) . وفي حرب بين ملك دمشق وملك مصر يتفق الشيخ مع تلاميذه ومنهم قطز على نصرة ملك مصر الصالح أيوب ، ويهاجم الشيخ العز بن عبد السلام حاكم دمشق فيسجنه ، لكنه لا يلبث أن يخرج من السجن وينظم حركة معارضة لملك دمشق ( [23] ) ، وفعلا ينتصر الصالح أيوب ويعود إلى مصر وينتقل معه الشيخ العز بن عبد السلام ( [24] ) وقطز الذي ينضم إلى عبيده ، لكن الصالح أيوب يهبه لعز الدين أيبك أحد رجاله فيتعرف قطز على بيبرس – وكان قد لقيه في صباه في سوق الرقيق – ، لكن بيبرس يخدم سيداً آخر هو أقطاي المنافس لعز الدين أيبك ، وتبدأ حلبة الصراع بين أيبك واقطاي على تولي السلطة بعد موت الصالح أيوب وتولي شجرة الدر السلطنة ( [25] ) فيتقرب الاثنان – أيبك واقطاي من شجرة الدر ، ويختار عز الدين أيبك قطزا رسولا له لشجرة الدر ( [26] ) ، وأثناء سفارته بين شجرة الدر وأيبك يلتقي قطز جلنار في قصر شجرة الدر ، وبعد موجة من الأحداث يتفق أيبك مع شجرة الدر على قتل اقطاي لفساده في البلاد ، وتناط مهمة الاغتيال لقطز الذي يقوم بها على وجه حسن فيهرب رجال اقطاي – المسمون بالمماليك البحرية - بعد مقتل سيدهم إلى الشام ، ويتزوج أيبك من شجرة الدر ملكة المسلمين ، ويزوج قطزا من جلنار ، لكن الخليفة يرفض ولاية شجرة الدر ( [27] ) فيتولى السلطنة صبي من بني أيوب لم يتجاوز العاشرة من عمره ( [28] ) لكن ولاية هذا الصبي لا قيمة لها ؛ فالأمور في يد شجرة الدر والسلطان الحقيقي هو عز الدين أيبك الذي تسمى بالمعز ،وينشب خلاف بين المعز وشجرة الدر ، فتدبر شجرة الدر مكيدة لقتل المعز ويتم لها ذلك ( [29] ) ، بيد أن رجال المعز يهاجمون شجرة الدر ويأسرونها ويذهبون بها إلى زوجة المعز ، فتأمر بضربها بالقباقيب على رأسها حتى تموت ( [30] ) ، ويولون ابن المعز ملكا عليهم وقطزا نائب السلطنة ، لكن الأحداث لم تلبث أن تتطور ، ويهاجم التتار بغداد ويقتلون الخليفة هناك ويجهزون العدة لغزو مصر ، فيرسلون أربعة من رجالهم وصبياً إلى قطز ينذرونه من العواقب الوخيمة في حال رفضه الخنوع لهم ، غير أن قطزا أمر بقتلهم وأبقى الصبي عنده ( [31] ) ، ويعزل قطز السلطان علي بن المعز ، ويصالح بيبرس ، ويعد الجيش والشعب لمواجهة التتار في استعداد رائع يقف فيه العلماء وفي مقدمتهم العز بن عبد السلام موقفا عظيما ويواجه قطز التتار في ملحمة عظيمة بفلسطين في موقعة عرفت ( بعين جالوت) ، ويبذل قطز وبيبرس جهودا مضنية في المعركة ، وجلنار تقف خلف قطز تحميه ، ولما حمي وطيس المعركة أرسل الصبي التتري الذي أبقاه قطز عنده سهما ليقتل قطزا ( [32] ) لكن السهم يصيب جلنار التي سقطت على الأرض ؛ فيحملها قطز إلى خيمته ويبكي بكاء مرا فتنهض جلنار صائحة قائلة له : لا تبك علي ، قم وانصر الإسلام ، وقل وا إسلاماه ولا تقل وا حبيبتاه ، فيعود قطز وتشتعل المعركة وينصر الله سبحانه وتعالى قطزا ويهزم التتار ، ثم ينظم قطز أمور البلاد في الشام ؛ فيقتل الأمراء الخونة الذين ناصروا التتار ( [33] ) ويقفل راجعا إلى مصر ، وفي الطريق يطلب بيبرس من قطز إمارة حلب فيرفض قطز ذلك – لأنه كان ينوي أن يولي بيبرس السلطنة – ، فيتفق بيبرس مع رجاله على قتل قطز ، فيختلي بيبرس ورجاله بقطز عندما ذهب للصيد ( [34] ) إبان عودتهم من الشام ، ويتقدم بيبرس من قطز ويطلب منه فتاة من السبي ليتزوجها ، فيوافق قطز على ذلك ، فيشكر بيبرس قطزا ويتقدم ليقبل يده ، ولما وضع قطز يده بيد بيبرس شد بيبرس على يده وأمر رجاله بمهاجمة قطزا فهاجموه ورموه بالسهام فتصيب قطزا ( [35] ) الذي يستهجن هذا الاعتداء ويكشف لبيبرس عن نيته في توليته السلطنة ، فيندم بيبرس لكن قطزا يغفر لبيبرس هذا الصنيع ويطلب من رجاله الذين أتوه بعدما سمعوا الضجيج أن يولوا بيبرس السلطنة ثم تصعد روحه إلى بارئها . موازنة فنية : إن الدارس لروايات زيدان يتبين أنه لم يهتم بوصف المكان أو المناظر المحيطة بالحوادث والأشخاص ، وهذا يعتبر عيبا فنيا كبيرا ، إذ إن وصف البيئة الخارجية والمناظر الطبيعية كثيرا ما يساعد على إحياء الحوادث وتصوير الشخصيات بأمانة وصدق ودقة والتمهيد للأحداث والانفعالات والمفاجآت ؛ كما أنه يربط أجزاء القصة برباط شعري وثيق . فعلى الرغم من حديث زيدان عن مجلس شجرة الدر والمستعصم وديوانيهما بيد أنه لم يصف هذه المجالس إلا بإشارات عابرة لا تدل على هيبة المجلس ووقار صاحبه – كما فعل باكثير في روايته – ، غير أنه أحسن عند الحديث عن اللقاء الذي تم بين سلافة وركن الدين بيبرس في ليلة قمراء ، فوصف الليلة بما يناسبها ، فسلافة أرادت إغواء بيبرس بحبها فدعته للجلوس معها لعلها تستطيع أن توقعه في حبائلها ، فمهد زيدان لهذا الحدث بما يناسبه ، فبدأ بوصف الليلة القمراء حيث يحلو لقاء العاشقين ، ثم اختار مكانا مظلما وسط بساتين وأشجار يوصل إلى غرفة جهزت بأحسن الفرش تقف أمام بابها سلافة بملابس فاخرة يشم منها عبق العطور …( [36] ) . إن هذا التمهيد يخدم الحدث الروائي لأنه يساهم في تصوير الواقع ويقربه من ذهن القارئ . الشخصيات : تبدو شخصيات رواية شجرة الدر كأنها غير حقيقية ، إذ أنه أغفل في التشكيل الفني لها " دقة الملاحظة وحسن الترتيب وصدق الوصف لمراحل تطور الشخصية والإيحاء " ( [37] ) وانقطاع الصلة بين المؤلف وشخصياته وعدم معايشته التامة لهذه الشخصيات جعل القارئ لا يتعاطف مع أي شخصية من شخصيات آثاره الروائية ؛ لأنها شخصيات غير محددة الملامح والسلوك . ولعل السبب في ذلك أنه لم يكتب الروايات على هدى تام ، وإنما عمد إلى كتابة رواياته دون خطة معدة مسبقا كما يقول " إننا نضع حوادث كل فصل أو بضعة فصول في حينها ويبقى سائر القصة في عالم الغيب فلو سئلنا أن نقص ما بقي منها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا " ( [38] ) ، وعملية الكتابة على هذا النحو لا تقدم إلا شخصيات تائهة المعالم والسلوك ؛ فمؤلفها لم يحيا معها في واقعية كاملة ليصبح لديه عمق بشخصياته وأبعادها وبالتالي " لا نشعر أنها مخلوقات حية تتحرك على الورق كما تتحرك في واقع الحياة " ( [39] ) ، إضافة إلى أن أسلوبه في عرض الشخصيات كان مهلهلا يعتمد أسلوب الوصف والتحليل " فلا يشرح الكاتب الموضوع ويحلل الشخصيات في شكل مهلهل بحيث لا يترك لفطنة القارئ وذكائه " ( [40] ) ، ففي الرواية مثلا تبدو " شوكار " خطيبة ركن الدولة بيبرس مثالية بلا حدود ، فعلى الرغم من الصعاب والأخطار المدلهمة التي صاحبت رحلتها من مصر إلى بغداد وسرقتها أثناء الطريق ، ثم اختطافها على يد أعوان أبي بكر أحمد ابن الخليفة وما لحقها من أذى شديد أثناء وجودها عنده ، ثم هروبها إلى الكرخ عند الشيعة ، وما لاقاه الشيعة من قتل وعذاب للكشف عن شوكار ، ثم هروبها إلى ابن العلقمي وردها إلى الخليفة ، ومرة أخرى التخطيط لقتلها على يد سلافة كل هذا لم ينسها حبها لركن الدولة بل فعلت هذا من اجله ، على الرغم من أن شوكار هذه شخصية وهمية لا وجود لها في التاريخ ومع ذلك بدت مطلقة المثالية . وعلى النقيض جاءت صورة الحاكم في الرواية نفسها " فشجرة الدر " امرأة لا تخلص في حبها تسعى لبسط نفوذها بأحقر الوسائل والأساليب وتعمد إلى سحق عدوها حتى لو كان زوجها أو ابن زوجها أو قريباً من قلبها . أما صورة الخليفة فهي صورة باهتة ، بل إنه يمثل الرجل التافه الذي لا هم له سوى سماع الغناء حتى أضحى ألعوبة في يد أعوانه . وعلى الجانب الآخر فإن زيدان لم يف شخوصه حقها ، " فشجرة الدر " كانت لها مواقف ناصعة البياض لم يشر إليها الروائي مع أن الرواية حديث عنها ، ثم إن الشخصيات الأخرى طغت على الشخصية الأم " شجرة الدر " ، فشوكار وسلامة كان لهما الحظ الأوفر في الرواية . وبزعمي فان زيدان لم يتحدث عن شجرة الدر بما تستحق لعجزه على تحليل شخصيتها . ومن العيوب الواضحة في شخصيات الرواية تجاهله التام لشخصية " قطز " الذي كان له الدور الأكبر في تحريك الأحداث ، فله صولات وجولات في حياة شجرة الدر ، بل إن بيبرس لم يكن وجوده بارزا في الأحداث المصرية مثلما كان وجود قطز . ولو فرضنا أن بيبرس أكثر أهمية من قطز فكان ينبغي أن يذكر قطز في ثنايا القصة ولو بوصفه أحد القواد . أما شخصياته الرومانسية فتبدو واهية البناء ، وباهتة اللون مسطحة لا عمق لها ، ولا تخضع طبيعتها لظروف حضارية أو تغيرات اجتماعية ، وهي إما خيرة محضة أو شريرة محضة ، لا تتأثر بالأحداث ولا تنمو بنموها ، فكيانها مستقل بل إنها عاجزة في أغلب الأحيان أن تتلاءم مع المواقف التاريخية . ولعل مصدر هذه السلبيات سواء في المضمون أو البناء الفني مردها إلى " الاختلاف العقائدي بينه وبين أبطال الرواية التاريخية فقد دفعه هذا الخلاف إلى تقليل شأنهم بالإعراض عن تصويرهم أو بتجسيد ملامح الضعف والتهور في سلوكهم وذلك لان المؤلف قد اندفع إلى هذا النوع الأدبي دون وجود محبة أو عشق لهذا التاريخ أو أبطاله ، بل ربما كان في أعماله يضمر الكراهية لأولئك الحكام من حيث يدري أو من حيث لا يدري … " ( [41] ) . ومن العيوب الفنية في الرواية اعتمادها على الصدفة " فالصدفة في رواياته هي التي تحرك الأحداث وتتدخل في حل الأزمات وتطيل الموضوع عندما يريد الكاتب الإطالة " ( [42] ) فما معنى أن يجلس بيبرس في الخلاء فيستمع لحديث كان السبب في تحركه ووصوله إلى شوكار ؟ كذلك الحال نفسه آخر الرواية ، فعندما أراد زيدان أن يظهر شوكار بعد اختفاء طويل اخترع حادثة باهتة بعيدة عن الحدث الدرامي التاريخي الذي كان ينبغي أن تسير الرواية عليه ، إذ جعل من وقت إعدام شوكار وإلقائها في اليم يتزامن مع وقت مرور سفينة الإمام أحمد الذي كان يتجه إلى منفاه الجديد ؛ فيطلب الإمام من غلمانه إنقاذ الفتاة فيتم ذلك ، ولم تقف هذه الحادثة عند هذا الحد بل إن الإمام أحمد يلتقي بيبرس في الوقت الذي كانت الخلافة في خطر والتتر يقتلون أسرة الخلفة ، بل الخليفة نفسه والإمام أحمد يقص على بيبرس حادثة إنقاذ الفتاة ورحلته في البحر ! . فالصدفة مسموح بها في العمل الأدبي لكن ليس بالشكل الذي يجعل أحداث الرواية تعتمد عليه ، فلا تكاد تمضي حادثة اعتمدت على صدفة حتى ترد أخرى تعتمد على صدفة أخرى وهكذا دواليك . الحوار إن زيدان " يفر دائما من أسلوب الحوار ولا يعتمد في أغلب الحالات إلا على أسلوب السرد العلمي " ( [43] ) ، ولم يهتم زيدان بالحوار الداخلي " المنولوج " . وهذا لا يعني بالضرورة انعدام الحوار الخارجي في رواياته لكنه لا يتناسب مع التقنية الحديثة . أما الحوار الداخلي فهو نادر جدا لا تكاد تجده في أحداث الرواية إلا في موضع أو موضعين ، ولعل مرد ذلك إلى العجز الفني عند زيدان في معالجة نفسيات شخوصه . منهج باكثير في رسم شخصياته : ( [44] ) يخطو باكثير خطوات رائدة متجاوزا مرحلة التأثر بالرواد إلى مرحلة النضج الفني في رسم الشخصيات ، فهو يُعنى عناية كبيرة برسم الشخصيات ، والغوص في أعماقها ، وإذكاء عنصر الصراع الداخلي والخارجي للشخصية ، وهذا يتطلب صدقا في رسم الشخصيات ، وهذا الصدق " يقتضي سبرا لأغوارها واكتناها لأسرارها ، وعبقرية الكاتب تستطيع النفاذ بالبصيرة النيرة إلى سرائر الناس وأعماق نفوسهم ، مع استصحاب الطابع الذاتي للكاتب ، وهذا هو مظهر الإنسان الفني بالجمع بين الذاتية والموضوعية في آن واحد ، فالكاتب يتصيد من الخارج صور شخصياته ، ثم يتألفها ويمازجها مندسا إلى خوافيها مضيفا عليها شعاعا من نفسه ، تصح به نسبتها إليه " ( [45] ) لذلك لم تكن شخصياته مجردة ، بل كانت بشرية ، لها أحاسيسها ومشاعرها ، وفيها النزعة الإنسانية التي تساير الأحداث . وإذا كان رسم الشخصية يمثل صعوبة في الروايات العادية ، فهو أشد صعوبة في الرواية التاريخية ، إذ إن الشخصية التاريخية معدة سلفا ، ومحددة الملامح والسلوك من قبل . والحقيقة أن هذا الإعداد للشخصية التاريخية لا يتعدى الحياة الخارجية للأشخاص ، أما الحياة الداخلية بأحلامها وتحركاتها وأفراحها وأتراحها وانفعالاتها فهي ملك خاص للروائي ؛ له الحرية المطلقة في تحويره وتفسيره ليستطيع التعرف على الصورة الداخلية للشخصية ، وعرضها بكل جوانبها الظاهرة والباطنة ؛ مع الالتزام بعدم المساس بصورتها من الجانب العام المعروف في سجلات التاريخ . واطلاع الروائي على هذا الجانب الخفي من حياة الشخصية التاريخية ؛ يجعله يبدع لنا شخصية أكثر وضوحا ومنطقية من الشخصية التاريخية التي تحيا في سجلات التاريخ وكتبه ، وهذه الشخصية التاريخية الروائية تكون أكثر وضوحا لدى القارئ . لأنها تظهر الحياة الداخلية والخارجية للشخصية ، في حين يهتم التاريخ بالحياة الخارجية فقط ، أما المنطقية ، فتتمثل في أن التاريخ يعرض كل ما يتعلق بهذه الشخصية بأسلوب السرد ، وتسيطر عليه في هذا العرض فكرة القضاء والقدر ، أما الروائي ، فهو مطالب في عرضه للشخصية بالتحليل والتبرير والتفسير ، فكل شيء في الرواية ينبع عن قصد ، حتى الانفعالات والأحزان والأفراح . وهذا الوضوح وتلك المنطقية في تناول الشخصية التاريخية بالتوظيف الفني في الرواية ؛ هو ما يكسبها الخلود والحديث عنها في كتب الأدب ، إذ إننا نجد أنفسنا أمام شخصية حقيقية ، وذلك حين يعرف الروائي كل شيء عنها . وشخصيات باكثير – على الرغم من أن جلها شخصيات تاريخية – إلا أنها تبدو للقارئ وكأنها شخصيات حقيقية ماثلة أمامه ، يتفاعل معها ويتعاطف مع أحداثها ، وسبب ذلك أن باكثير وثق الصلة بينه وبين شخوصه ، وتعايش معها في واقعية كاملة فسبر عمقها وحدَّد أبعادها . أما عن منهجه في رسم هذه الشخصية التاريخية ، فقد اتسم بالنزعة التحليلية التي تساعده في كثير من الأحيان على تمثيل العوامل البيئية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية في رواياته ، كما تساعده في رسم الشخصيات وتحليل عواطفها ومشاعرها وتوضيح دقائق حياتها ، وتجعله قادرا على وضع الشخصية في صورة واضحة المعالم ، متناسقة السلوك ، في إطار يتلاءم مع طبيعة الرواية التاريخية . أما شخصيات باكثير الرومانسية ، فتتسم بالصراع الدائم مع نفسها ، ومع القيم والبيئة والمجتمع ، يظهر هذا بوضوح في رواية " سلامة القس " و " ليلة النهر " . وقد لجأ باكثير إلى خلق شخصيات أخرى غير تاريخية ، وجعلها تمثل روح العصر الذي تعيش فيه ، كما اتخذ من تجربة الحب الرومانسي وسيلة لربط حوادث الرواية التاريخية وتشويق القارئ ، وعنصرا فعالا في بناء الشخصية وتطويرها ، وهذا واضح بجلاء في " وا إسلاماه " . كما اهتم باكثير بالبناء الفني للرواية على حساب الجانب التاريخي ؛ كما هو الحال في رواية " الثائر الأحمر " . والإبداع في البناء الفني للشخصية وفق هذا المنهج يتضمن ثلاث مراحل : المرحلة الأولى : إظهار الحياة الخارجية للشخصية ، والمتمثلة في وصف ملامح الشخصية ، وأعمالها وأوصافها . أما المرحلة الثانية ، فتتمثل في إظهار الحياة الداخلية للشخصية ، وذلك عن طريق تجسيد انفعالات هذه الشخصية وأحلامها وأفراحها ، ثم تأتي المرحلة الثالثة التي تجمع بين المرحلتين الأولى و الثانية في إطار ذاتي ، أي في إطار يحمل فكر المؤلف مبدع هذه الشخصية ، وهذا الإطار الذاتي يجب ألا يظهر في تكوين الشخصية ورسم ملامحها . ومن ملامح منهج باكثير في رسم شخوصه أنه يرسمها على بعدين بعد رمزي يتغير فيه اسم الشخصية ووظيفتها التاريخية ، كما يصيب التغيير وقائع حياتها ، ولكنه تحوير يدل على الأصل الذي ترمز إليه الشخصية – في حال كون الشخصية ترميزا ، والبعد الثاني هو البعد التاريخي الذي يريد باكثير للشخصية أن تدل عليه . ومن منهجه أيضا أنه يربط بين الشخصيات الثانوية وشخصية البطل ، فالشخصية الرئيسة لا تنفرد بالبطولة – في أغلب الأحيان – ، بل توجد إلى جانبها مجموعة من الشخصيات تؤثر فيها وتتأثر بها . إضافة إلى ما سبق من منهج ، فإن باكثير استعان بعنصر المصادفة في بناء الشخصية ليدفع بالحدث إلى النمو ، وعنصر المصادفة عنصر فعال في البناء الفني للرواية ، فهو يؤثر فيه سلبا أو إيجابا ، فإذا كانت المصادفة في الرواية مقبولة ومقنعة تنسجم مع طبيعة المواقف والأحداث ، فإنها تعمل على تطوير الشخصيات إلى ابتكار المواقف التي تدفع بالأحداث إلى النمو والحركة ، وفي الوقت نفسه تمنح الشخصية حرية في الحركة وحيوية في السلوك . أما إذا كانت المصادفة غير مقبولة وغير مقنعة تأتي على صورة شطحات خيال ؛ فهي في تلك الحالة تغرس السلبية في المواقف والشخصيات وتسلب الشخصية والحدث سمة الإقناع ، مما يجعل الأحداث غير مبررة الحركة ، والشخصيات باهتة الألوان غير مقنعة في سلوكها وتصرفاتها . ويتبع باكثير في رسم الشخصية أسلوبا جيدا يتمثل في أسلوب الحوار المتصل بالأحداث ليمنح الشخصية حياة أعمق ، فهي تعبر فيه عن طبائعها تعبيرا مباشرا يتمكن به من تحليلها تحليلا كاملا ، ويصور تقلباتها بين الخير والشر ، فعمد باكثير " إلى توظيف الحوار والمونولوج الداخلي اللذين هما من أكثر الطرق قربا في تمثيل طبيعة الشخصية " ( [46] ) . قضية أخيرة في منهج باكثير في رسم الشخصيات اعتماده على التجربة العاطفية ؛ التي تساير الأحداث وتواكبها ، بغض النظر عن طبيعة تلك الأحداث سواء كانت سياسية أو حربية أو اجتماعية ، فجاءت التجربة العاطفية محورا أساسيا تعتمد عليه حركة الشخصيات وتسهم في بنائها الفني ، ولها أثر كبير في خلق المواقف وسير الأحداث ، و إضفاء جو من الرومانسية على الرواية كلها . وكأن باكثير يرى في الحب الرومانسي دافعا قويا يخلق في الشخصية عنصر الإيجابية ، ويترتب على هذا الحب وضوح في الشخصيات والأحداث ونمو لها ، إضافة إلى ما يضفيه هذا الحب من جو رومانسي يخفف من حدة الجو الحربي – في حال كونها حربية - ، الذي يسيطر على الرواية . ويعد الحب الرومانسي محورا أساسيا يقوم عليه البناء الفني للشخصية الرومانسية ، ففي " سلامة القس " أحب القس سلامة ، أحب فيها الجمال والبهاء ، وضحى في سبيل حبها بمزرعته ووقته وماله ، وظل وفيا لحبه بالرغم من بعدها عنه وسفرها إلى بلد آخر غير بلده ، لكنه يرى السعادة في الحب تقوم على التضحية في سبيل الحبيبة ، حتى لو كانت في بيت الملوك ، وتلك سمة تتحلى بها الشخصيات المغرقة في الرومانسية . ومن الأمثلة على الحب الذي ساعد في تطوير الشخصية ونموها ، ما كان من ( عز الدين أيبك ) و ( أقطاي ) ، فكلاهما كان يسعى من وراء الحب لنيل السلطة والحكم ، فالحب عندهما يقوم على الانتهازية والاستغلال والأنانية والسعي وراء شهوة الحكم ، فلم تستقر عواطفهما ولم يتركز حبهما حول شخصية الملكة ، وإنما حب الكرسي الذي تجلس عليه ، فكانت شخصيتهما في الحب نموذجا للعاطفة غير المستقرة، وللانتهازية والبحث عن المجد والعظمة.
( [1] ) لوكاتش، الرواية التاريخية ، ص 215 ( [2] ) سيار الجميل، الفن الروائي التاريخي العربي، البيان، مج 2، ع 2، 99م، ص 39. ( [3] ) أظنه يقصد محاولة سليم البستاني " الذي كتب ثلاث قصص تاريخية : هي زنوبيا سنة 1871 ، و بدور 1872 و في فتوح الشام 1874 " . = القصة التاريخية في الأدب العربي الحديث ، محمود يوسف نجم ، ص 41 وغيرها . ( [4] ) علي أدهم ، الرواية التاريخية الثقافة الأسبوعية للآداب والعلوم والفنون ، تصدرها لجنة التأليف والترجمة والنشر ، العدد 622 ، 3 سبتمبر 1951 ، ص 6 . ( [5] ) عبد الله عمر بلخير ، خمسون عاما من ذكرياتي مع علي باكثير ، الفيصل ( مرجع سابق ) ، ص 17 . ( [6] ) عبد العزيز المقالح ، كتاب الحكمة ، وثائق مهرجان باكثير ، علي أحمد باكثير والرواية التاريخية ، ص 193 . ( [7] ) زكرياء بو غدارة ،علي أحمد باكثير الأديب المسلم ، الوعي الإسلامي ، العدد 371، السنة الثانية والثلاثون ، ديسمبر 1996 ، ص 80 . ( /span> [8] ) أحمد هيكل ، تطور الأدب الحديث في مصر ، ص 206 . وينظر محمد يوسف نجم ، القصة في الأدب العربي الحديث ص 177 ، وعبد الحميد القط ، بناء الرواية في الأدب المصري الحديث ، ص 34 . ( [9] ) عبد المحسن طه بدر ، تطور الرواية العربية الحديثة في مصر ، ص 98 . ( [10] ) مصطفى علي عمر ، القصة وتطورها في الأدب العربي ، ص 79 – 80 . ( [11] ) محمد عبد الغني حسن ، جورجي زيدان ، ص 95 – 96 . ( [12] ) محمد عبد الغني حسن ، جورجي زيدان ، ص 97 . ( [13] ) عبد المحسن طه بدر ، مرجع سابق ، ص 100 . ( [14] ) ينظر رواية الحجاج بن يوسف ، المقدمة . ( [15] ) محمد الحسين عبد القادر ، روايات تاريخ الإسلام لجورجي زيدان ، رسالة دكتوراه ، كلية اللغة العربية / جامعة عين شمس ( [16] ) يمكن أن تراجع ما كتبته بعنوان " الرواية التاريخية بين الالتزام بالتاريخ والإبداع الفني " وهو منشور في كتابي " روايات باكثير قراءة في الرؤية والتشكيل " . ( [17] ) أقام الباحث محمد الحسين رسالته الجامعية " روايات تاريخ الإسلام اجورجي زيدان " على تبيان المغالطات التاريخية التي وقع فيها زيدان في معظم رواياته ، فمن أراد الاستزادة فليراجعها علما بأنه لم يتحدث عن رواية شجرة الدر التي أنا بصدد ذكر مغالطاتها . ( [18] ) في روايات باكثير تناغم بين الحدث السياسي والعاطفي فالغرام والحب عند باكثير يسير جنبا إلى جنب مع الحدث السياسي لكنه لا يؤثر على الأحداث الرئيسة . ( [19] ) ينظر ابن العماد الحنبلي ، شذرات الذهب في أخبار من ذهب ، ج 5 ، ص 428 وما بعدها . ( [20] ) ينظر المرجع السابق ص 428 ، يذكر فيها ابن العماد اسم قطز فيقول : هو محمود بن ممدود ابن أخت السلطان خوارزم شاه ، وينظر المقريزي ، السلوك بمعرفة دول الملوك ، ج 1 ، ص 520 ، ذكر أن اسم قطز محمود بن ممدود . و ينظر جمال تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، ج 6 ، ص 67 ، ذكر الاسم نفسه . وغيرها من كتب التاريخ ومنها ، سير أعلام النبلاء 23 / 200 ، وذيل الروضتين 210 ، ذيل مرآة الزمان لليونيني 2 / 28 – 36 ، و العبر للذهبي 5 / 247 ، فوات الوفيات 3 / 201 ، طبقات السبكي 8 / 277 ، البداية والنهاية 13 / 225 . ( [21] ) تغري بري ، النجوم الزاهرة ، ج6 ، ص 78 ، يذكر أن قطزا في رق ابن الزعيم . ( [22] ) المرجع السابق ، ص 80 – 81 . يذكر فيها حادثة الرؤيا وقول المنجم . ( [23] ) ابن العماد الحنبلي ، مرجع سابق ، ص 439 ، ذكر أن العز بن عبد السلام نال من الصالح إسماعيل حاكم دمشق وأن الأخير سجنه ثم أطلقه . ( [24] ) ينظر المرجع السابق ، ص 439 . ( [25] ) ذكرت جميع كتب التاريخ تولي شجرة الدر السلطنة بعد موت زوجها الصالح أيوب . ( [26] ) يسمي باكثير شجرة الدر بـ ( شجر الدر ) وهذا الاسم مأخوذ من كتاب المقريزي الموسوم بـ السلوك بمعرفة دول الملوك ج1 ، ص 462 وما بعدها . ( [27] ) تجمع المصادر التاريخية على أن الخليفة رفض تولي شجرة الدر سلطنة مصر ، وينقل المقريزي في كتابه السلوك ص 462 رسالة من الخليفة المستعصم أرسلها إلى رجال مصر يقول فيها : " إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسير إليكم رجلا " ( [28] ) ينظر المقريزي ، السلوك بمعرفة دول الملوك ص 464 ، ذكر أن الملك موسى هو الصبي الذي تولى السلطنة بعد رفض الخليفة سلطنة شجرة الدر . ( [29] ) ينظر المرجع السابق ، ص 494 ، ذكر فيها أن شجر الدر قتلت المعز . ( [30] ) ينظر المرجع السابق ، ص 494 ، ذكر أن زوجة المعز الأولى أمرت بضرب شجر الدر على رأسها بالقباقب حتى ماتت . ( [31] ) المرجع السابق ، ص 515 ، ذكر أن قطزا قتل الرسل الأربعة وأبقى الصبي . ( [32] ) ينظر المقريزي ، مرجع سابق ، ص 515 ، ذكر أن الصبي الذي أبقاه قطز هو الذي أرسل سهما لقتل قطز . ( [33] ) المرجع السابق ، ص 519 ، وذكر فيها بالإضافة إلى قتل قطز للأمراء الخونة انتقام هولاكو من الملوك والأمراء العرب الذين هربوا معه بعد أن انتصر قطز في المعركة . ( [34] ) المرجع السابق ، ص 519 . ذكر أن قطزا ذهب للصيد أثناء عودتهم من الشام وأن بيبرس لحق به وقتله . ( [35] ) ابن العماد الحنبلي ، شذرات الذهب ، ج 5 ص 426 ، ذكر هذه الحادثة بمثل هذه التفاصيل . وينظر أيضا تغري بردي ، النجوم الزاهرة ج 7 / 77 ، ففيه ذكر لهذه الحادثة . ( [36] ) ينظر رواية شجرة الدر ص 84 وما بعدها . ( [37] ) قاسم عبده ، الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث ، ص 44 . ( [38] ) عذراء قريش في عالم الغيب ، الهلال ، أول فبراير ( شباط ) 1899 ، ص 277 . ( [39] ) القصة في الأدب العربي الحديث ، محمد يوسف نجم ، ص 186 . ( [40] ) دراسات في القصة والمسرح ، محمود تيمور ، ص 104 . ( [41] ) غادة عفيفي ، القصة التاريخية عند جورجي زيدان ، رسالة ماجستير ، جامعة عين شمس 1991 م . ( [42] ) محمود حامد شوكت ، مقومات القصة العربية الحديثة في مصر ، ص 96 . ( [43] ) سيزا قاسم ، بناء الرواية ، ص 158 . ( [44] ) فصلت الحديث عن الشحصيات والحوار واللغة في روايات باكثير في كتابي " روايات باكثير ... " فليراجع . ( [45] ) محمود تيمور ، دراسات في القصة والمسرح ، ص 144 – 145 . ( [46] ) سيزا قاسم ، بناء الرواية ، ص 158 .
|