![]() |
|
رفاعة الطهطاوي
إن تجربة الالتقاء الحضاري الشامل بين المجتمع العربي الإسلامي والحضارة الأوروبية في بداية القرن التاسع عشر الميلادي الموافق القرن الثالث عشر الهجري، وما خلفته من آثار ما زالت الأمة تتجرع مرارتها حتى الآن ـ لجديرة بالتأمل والتدبر وإمعان التفكير، ذلك لأنه قد صبغت وجهة العالم الإسلامي وحددت مساره النفسي والفكري والقيمي لفترة طويلة، وأفرزت عند الأمة هذا المسخ العقلاني القبيح المسمى بالعلمانية التي تسللت لحياة المسلمين واحتلت جانبًا كبيرًا من عقولهم وقلوبهم من حيث لا يعلمون، ولولا رحمة الله عز وجل لهذه الأمة ثم الدعوة والصحوة الراشدة التي صححت مسار الأمة بعدما كانت على شفا هلاك وغرق حتمي في مستنقع العلمانية النتن. والجدير بالذكر أن كافة الانحرافات التي تتصدى لها الصحوة اجتماعيًا وأخلاقيًا وثقافيًا وإعلاميًا جاءت عند حدوث الصدمة الحضارية التي وقعت لبعض المسلمين عندما التقوا مع الحضارة الغربية، وهذه الصدمة أدت للانبهار والهزيمة النفسية والوعي المنقوص، والرغبة في رقي المسلمين كما ارتقى الغربيون، فوقع الخلل، وانحرف المسار، وتشوه التفكير، وانحرفت الأمة إلى طريق التبعية والتقليد الأعمى للغرب، فصارت حضارة المسلمين مثل حضارة القرود تقلد ما تراه ولا تعلم معناه، ونحن على هذه الصفحة نقلب دفاتر أول رائد للتغريب، وأول من تلقى الصدمة الحضارية، لنعلم مدى الأثر البالغ التي خلفته تلك الصدمة المشئومة.
في أتون المواجهات العسكرية العنيفة بين الشعب المصري المسلم في صعيد البلاد وبين قوات الحملة الفرنسية النابليونية وبالتحديد سنة 1801 هـ ولد رفاعة رافع بمدينة (طهطا) من أعمال مديرية (جرجا) بمحافظة المنيا، بعائلة تؤكد شرف انتسابها لآل البيت من الفرع الحسيني، وهذه الدعوة منتشرة بأرض مصر خصوصًا.
نشأ رفاعة كعادة أبناء جيله على حفظ القرآن الكريم حتى أتمه، وحفظ بعض المتون الشرعية المتداولة حتى توفي أبوه وهو صغير السن، فانتقل للدراسة بالجامع الأزهر، ولم تمر عليه بضع سنين حتى ظهرت نجابته وقوة فهمه وتحصيله العلمي حتى فاق أقرانه، وانتقل إلى طبقة المدرسين وهو في العشرين من عمره، ولكن ضيق ذات اليد كانت تكدر عليه صفو حياته وتعطل مسيرته العلمية وتفرغه للتدريس.
الشيخ المجهول: ونعني به الشيخ (حسن العطار)، وكان من كبار علماء الأزهر، حتى إنه قد تولى مشيخة الأزهر في مرحلة من حياته، وكان هذا الشيخ أستاذ رفاعة في الأزهر، وكان له الأثر البالغ في حياة وتفكير رفاعة الطهطاوي رغم جهل الكثيرين بهذا الرجل، ويعتبر حسن العطار أول مشايخ الأزهر افتتانًا بالحضارة الغربية، أو بعبارة أدق أول مصدوم بها، وذلك عندما جاءت الحملة الفرنسية على مصر، واتصل حسن العطار برجالها وتأثر بما عندهم من علوم وتقدم، واشتغل بتعليمهم اللغة العربية، واندمج إلى حد كبير معهم وأنشد في رقيهم و أعيادهم الأشعار، وتوثقت العلاقة بين محمد علي وحسن العطار بعد رحيل الحملة الفرنسية، وأصبح محط ثقته وأحد الركائز التي يعتمد عليها محمد علي في مشروعة الحضاري الجديد القائم في الأصل على الحضارة الغربية.
كان حسن العطار يبث في عقول تلاميذه ـ ومنهم رفاعة الطهطاوي ـ ضرورة التغيير في أوضاع الأمة المسلمة ونقل الحضارة الغربية، ثم جاءت الفرصة عندما طلب محمد علي من حسن العطار أن يرشح له (إماما) يؤم البعثة المصرية العلمية المتوجهة إلى فرنسا في الصلاة والفتوى، فرشح العطارُ الطهطاوي لتلك المهمة، فتوجه الطهطاوي إلى فرنسا سنة 1241هـ / 1826م، وقد طلب حسن العطار من رفاعة طلبًا خاصًا ألا وهو: تدوين كل ما يراه ويسمعه أثناء هذه الرحلة التي استمرت ست سنوات.
الصدمة الأولى: الرحلة التي قام بها رفاعة الطهطاوي كانت تمثل اللقاء الأول بين الفكر الإسلامي الأصيل التقليدي والحضارة الغربية في أوج عنفوانها وقوتها عقب الثورة الفرنسية الشهيرة، فوقعت الصدمة الأولى عند هذا الرجل صاحب الثقافة الإسلامية والحضارة التي نبذت لتوها الدين وتخلصت من سلطان الكنيسة بعد الثورة المعروفة، وكانت الحسرة تملأ قلب رفاعة عندما يرى التمدن والحضارة الجديدة قوية راقية مرتفعة ويرى أن المسلمين أولى بتلك القوة من بلاد الكفر، وأن المسلمين أولى من هؤلاء الكفرة بالأخذ بأسباب الحضارة. وهذه كانت بداية الصدمة؛ لأن المسار انحرف بعد ذلك. مكث رفاعة الطهطاوي ست سنوات يسجل كل ما يراه ويكتبه ويعلق عليه وذلك في كتابه الشهير (تخليص الأبريز في تلخيص باريس) ووصل بعد هذه الرحلة ـ أو الصدمة الحضارية ــ لعدة قَناعات حددت بعد ذلك مسار حياته عندما رجع إلى مصر.
قَناعات الطهطاوي: ضرورة التقريب بين الأحوال الإسلامية والأحوال الغربية خاصة فيما يتعلق بفكرة التشريع. فيقول في كتابه: (ومن زاول علم أصول الفقه، وفَقِهَ ما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد جزم بأن جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت عقول أهالي باقي الأمم المتمدنة ـ يقصد أوروبا ـ إليها وجعلوها أساسًا لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم قلَّ أن تخرج عن تلك الأصول التي بنيت عليها الفروع الفقهية).
وهو بذلك يجعل الشرع الحنيف على قدم سواء مع تشريعات أوروبا الوضعية، فيعتبر بذلك أول من مهد لدخول هذه التشريعات لبلاد المسلمين، وقد ظهر ذلك واقعيًا وعمليًا عندما عاد إلى مصر وقام بترجمة قوانين أوربا الوضعية ونقلها للعربية بناءً على أوامر محمد علي، وما أدى بعد ذلك لاستبدال الشريعة بهذه القوانين الوضعية.
تقديم مفهوم الوطنية من وجهة النظر الأوروبية للعالم الإسلامي لأول مرة بديار الإسلام، فقال في كتابه: (وما يتمسك به أهل الإسلام من محبة الدين والولوع بحمايته مما يفضلون به عن سائر الأمم في القوة والمنعة يسمونه ـ أي الأوروبيون ـ محبة الوطن). وهو بذلك يروج للوطنية على المسلمين السذج مما يمهد السبيل لقطع علائق المسلمين بعضهم ببعض بدعوى ابتعاد أوطانهم واختلافها.
نقل الحرية بالمعنى والمفهوم الفرنسي إلى بلاد المسلمين، بسبب حالة القهر والظلم التي مارسها الطاغية محمد علي على البلاد، مما جعل هذا الشيخ الوافد ينبهر بالحرية التي عليها الناس في أوروبا، فنراه يثني ويدافع عن مراقصة الرجال للنساء ويصفه بأنه نوع من الرياضة والأناقة والفتوة، ويقول عن الاختلاط بين الجنسين: 'ليس داعيًا إلى الفساد !!!!). ضرورة تحرير المرأة الشرقية والمسلمة. ويكون بذلك أول من أثار هذه القضية بديار المسلمين، فسن بذلك أسوأ السنن حيث حمل بعده رجال راية (تحرير المرأة) على النمط الغربي، فخُلع الحجاب، وعم الفساد، وانتشر الاختلاط، وضاعت الأنساب.
الحيرة والتخبط: إن أزمة رفاعة الطهطاوي حقًا تتلخص في الصدمة الحضارية الشديدة التي تلقاها عندما سافر إلى فرنسا، فهو لم ينحرف أو يضل أو يترك شيئًا من عقائده وصلواته، فهو قد ابتعد إيمانيًا عن فرنسا النصرانية، ولكنه اصطدم حضاريًا إلى حد التبعية والتقليد لحضارة فرنسا، ففشل في الجمع بينهما كما فعل الأوائل عندما فهموا ما عند الغير من العلوم وهضموها جيدًا ووظفوها وطوروها بما يخدم أمة الإسلام دون تقليد أو انبهار. ونلمس هذه الحيرة والتخبط في تفكير رفاعة الطهطاوي وأشعاره فمنها:
لقد كان رفاعة الطهطاوي أول من وضع الأفكار النظرية موضع التنفيذ وأنتج أعمالا فكرية تمهد لخطة اجتماعية عملية في التشريع، وفي التعليم، وفي السلوكيات، وكان موضع ثقة محمد علي وأولاده من بعده في تطبيق فكرة التغريب والتحديث الأوروبي في كل الميادين، حتى إن الخديوي 'إسماعيل' طلب منه أن يقنع علماء الأزهر وشيوخه بقبول التشريع الأوروبي الوضعي ودار بينهما هذا الحوار: قال الخديوي إسماعيل: إنك منهم ونشأت معهم، وأنت أقدر على إقناعهم، أخبرهم أن أوروبا تضطرب إذا هم لم يستجيبوا إلى الحكم بشريعة نابليون. قال رفاعة: إنني يا مولاي قد شخت، ولم يطعن أحد في ديني فلا تعرضني لتكفير مشايخ الأزهر إياي في آخر حياتي، وأقلني من هذا الأمر. فوافق إسماعيل.
انزوى رفاعة الطهطاوي في آخر حياته عن الساحة وترك مكان الصدارة الذي ظل يشغله طيلة خمسين سنة يترجم علوم وأفكار أوروبا والقوانين الوضعية ويرأس تحرير جريدة (الوقائع المصرية)، ويكتب المقالات، ويؤلف الكتب ويقنن الأفكار، حتى وافته المنية في 1 ربيع الآخر سنة 1289هـ/1873م.
رفاعة الطهطاوي هو المؤسس الأول لنهضة مصر الفكرية في القرن الماضي. مولده ونسبه وحياته: ينتهي نسب رفاعة الطهطاوي، من أبيه إلى سيدنا الحسين، ومن أمه إلى الخزرج وقد مكث رفاعة في فرنسا خمسة سنوات استقى فيها الكثير من العلوم والمعارف، وعاد إلى مصر وهو مملوء بالمعاني الجديدة فبدأ في إنشاء المدارس وترجمة الكتب وتبسيط العلوم والمعارف، ونشر الكتب، وتحرير المقالات الصحفية. وقد اكتسبت الصحافة على يديه تقدما في فن المقالة الصحفية، وتخرج على يديه جيل المترجمين الأوائل الذين أثروا الحياة الثقافية في مجالي الفكر والعمل.
أعماله : إنشاء مدرسة الألسن وتأسيسها عام 1835م. تحرير جريدة الوقائع المصرية. تحرير مجلة روضة المدارس. دعوته إلى التجديد والإيمان بقيم إنسانية جديدة في الفكر والعمل. تخليص المرأة من ربقة الأوهام والمخاوف والتقاليد الجائرة. ودفعها إلى الحياة للمشاركة في بنائها. من مؤلفاته: v تخليص الإبريز في تلخيص باريز. v مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية. v المرشد الأمين للبنات والبنين. v أنوار توفيق الجليل، في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل. v نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز. هذا بالإضافة إلى ما ترجمه من كتب لعل من أهمها: مواقع الأفلاك في وقائع تليماك، الذي ترجمه عن كتاب فيلنون telemaque de aventures Les
قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر، الذي ترجمه عن كتاب ديبنج Apercu historique sur les moeurs et usages des nations لماذا يُعد رفاعة علما من أعلام رواد النثر الحديث؟ v أغنى النثر بالمصطلحات ، وأطل به على حضارة العصر ومكتسباته العقلية والمادية. v إغناء الفكر العربي الحديث والإشراف به على آفاق الحياة المعاصرة. v تيسير اللغة وتطويعها وإغناء معجمها بمصطلحات الحضارة الحديثة. v تبسيط التعبير والبعد عن التكلف والقيود. v إدخال أسلوب العرض المباشر التقريري الواضح.
ظل رفاعة الطهطاوي طوال حياته معلمًا ومربيًا بالفطرة والسليقة. فقد بدأها شيخًا
يتحلق حوله طلبة
الأزهر، وأنهاها معلمًا للأمة، لا يرى سبيلا لتقدمها إلا بالعلم يتاح لكل الناس
لا فرق فيه بين غني وفقير أو ذكر وأنثى، وبذل من نفسه ما بذل من جهد لتحقيق هذا
الغرض، ووضع الكتب والمؤلفات التي تعين على ذلك. النشأة والتكوين الثقافي
في مدينة طهطا إحدى
مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر، ولد رفاعة رافع الطهطاوي في (7 من جمادى الآخرة 1216
هـ= 15 أكتوبر 1801 م)، ونشأ في أسرة كريمة الأصل شريفة النسب، فأبوه ينتهي نسبه
إلى الحسين بن علي بن أبي طالب. وأمه فاطمة بنت الشيخ أحمد الفرغلي، ينتهي نسبها
إلى قبيلة الخزرج الأنصارية. في باريس
وفي سنة (1324هـ=
1826م)
قررت الحكومة المصرية إيفاد بعثة علمية كبيرة إلى فرنسا لدراسة العلوم
والمعارف الإنسانية، في الإدارة والهندسة الحربية، والكيمياء، والطب البشري
والبيطري، وعلوم البحرية، والزراعة والعمارة والمعادن والتاريخ الطبيعي. وبالإضافة
إلى هذه التخصصات يدرسون جميعا اللغة والحساب والرسم والتاريخ
والجغرافيا. وما إن تحركت السفينة التي تحمل أعضاء البعثة حتى بدأ الطهطاوي في تعلم الفرنسية في جدية ظاهرة، وكأنه يعد نفسه ليكون ضمن أعضاء البعثة لا أن يكون مرشدها وإمامها فحسب، ثم استكمل تعلم الفرنسية بعدما نزلت البعثة باريس؛ حيث استأجر لنفسه معلما خاصًا يعطيه دروسًا في الفرنسية نظير بضعة فرنكات كان يستقطعها من مصروفه الشخصي الذي كانت تقدمه له إدارة البعثة، وأخذ يشتري كتبًا خاصة إضافية غير مدرجة في البرنامج الدراسي، وانهمك في قراءتها. ومن شدة حرصه على مداومة القراءة والدرس تأثرت عينه اليسرى، ونصحه الطبيب بعدم الاطلاع ليلاً، لكنه لم يستجب لنصحه، واستمر في إشباع نهمه للمعرفة. وأمام هذه الرغبة الجامحة في التعلم قررت الحكومة المصرية ضم رفاعة إلى بعثتها التعليمية، وأن يتخصص في الترجمة؛ لتفوقه على زملائه في اللغة العربية والثقافة الأزهرية. وقد لقي الفتى النابه عناية ظاهرة من العالم الفرنسي جومار الذي عهد إليه محمد علي بالإشراف العلمي على البعثة، ومن المستشرق الفرنسي الكبير دي ساسي، واجتاز كل الامتحانات التي عقدت له بنجاح باهر، وكانت التقارير التي ترسل إلى محمد علي تتابع أخبار البعثة تخص رفاعة بالثناء والتقدير. وقبل أن يتقدم رفاعة للامتحان النهائي كان قد أنجز ترجمة اثني عشر عملاً إلى العربية في التاريخ والجغرافيا والهندسة والصحة، بالإضافة إلى مخطوطة كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" وهو الكتاب الذي ارتبط اسمه به، ووصف فيه الحياة في باريس وعادات أهلها وأخلاقهم، وهو ليس وصفًا لرحلة أو تعريفًا لأمة بقدر ما هو دعوة للارتقاء، وصرخة للبعث والنهوض. ميدان التعليم عاد الطهطاوي إلى مصر سنة (1247هـ = 1831م) تسبقه تقارير أساتذته التي تشيد بنبوغه وذكائه، وكان إبراهيم باشا ابن محمد علي أول من استقبله من الأمراء في الإسكندرية، ثم حظي بمقابلة الوالي محمد علي في القاهرة.
وكانت أولى الوظائف التي تولاها رفاعة بعد
عودته العمل مترجمًا في مدرسة الطب، وهو أول مصري يشغل هذه الوظيفة، ومكث بها
عامين، ترجم خلالهما بعض الرسائل الطبية الصغيرة، وراجع ترجمة بعض الكتب، ثم نقل
سنة (1349هـ= 1833م) إلى مدرسة الطوبجية (المدفعية) لكي يعمل مترجمًا للعلوم
الهندسية والفنون العسكرية. مدرسة الألسن
كان رفاعة الطهطاوي
يأمل في إنشاء مدرسة عليا لتعليم اللغات الأجنبية، وإعداد طبقة من المترجمين
المجيدين يقومون بترجمة ما تنتفع به الدولة من كتب الغرب، وتقدم باقتراحه إلى محمد
علي ونجح في إقناعه بإنشاء مدرسة للمترجمين عرفت بمدرسة الألسن، مدة الدراسة بها
خمس سنوات، قد تزاد إلى ست. وافتتحت المدرسة بالقاهرة سنة (1251هـ = 1835م)، وتولى
رفاعة الطهطاوي نظارتها، وكانت تضم في أول أمرها فصولاً لتدريس اللغة الفرنسية
والإنجليزية والإيطالية والتركية والفارسية، إلى جانب الهندسة والجبر والتاريخ
والجغرافيا والشريعة الإسلامية. وقد اتسعت مدرسة الألسن، فضمت قسمًا لدراسة الإدارة الملكية العمومية سنة (1261هـ=1844م)، لإعداد الموظفين اللازمين للعمل بالإدارة الحكومية، وقسمًا آخر لدراسة الإدارة الزراعية الخصوصية بعد ذلك بعامين، كما ضمت قسمًا أنشئ سنة (1263هـ = 1847م) لدراسة الشريعة الإسلامية على مذهب أبي حنيفة النعمان لإعداد القضاة، وأصبحت بذلك مدرسة الألسن أشبه ما تكون بجامعة تضم كليات الآداب والحقوق والتجارةوكان رفاعة الطهطاوي يقوم إلى جانب إدارته الفنية للمدرسة باختيار الكتب التي يترجمها تلاميذ المدرسة، ومراجعتها وإصلاح ترجمتها. إغلاق ونفي ظلت المدرسة خمسة عشر عامًا، كانت خلالها مشعلاً للعلم، ومنارة للمعرفة، ومكانًا لالتقاء الثقافتين العربية والغربية، إلى أن عصفت بها يد الحاكم الجديد عباس الأول، فقام بإغلاقها لعدم رضاه عن سياسة جده محمد علي وعمه إبراهيم باشا وذلك في سنة (1265هـ = 1849م)، كما أمر بإرسال رفاعة إلى السودان بحجة توليه نظارة مدرسة ابتدائية يقوم بإنشائها هناك، فتلقى رفاعة الأمر بجلد وصبر، وذهب إلى هناك، وظل هناك فترة دون عمل استغلها في ترجمة رواية فرنسية شهيرة بعنوان "مغامرات تلماك"، ثم قام بإنشاء المدرسة الابتدائية، وكان عدد المنتظمين بها نحو أربعين تلميذًا، ولم يستنكف المربي الكبير أن يدير هذه المدرسة الصغيرة، ويتعهد نجباءها برعاية خاصة. عود حميد
مع التراث ولم يكتف رفاعة بهذه الأعمال العظيمة، فسعى إلى إنجاز أول مشروع لإحياء التراث العربي الإسلامي، ونجح في إقناع الحكومة بطبع عدة كتب من عيون التراث العربي على نفقتها، مثل تفسير القرآن للفخر الرازي المعروف بمفاتيح الغيب، ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص في البلاغة، وخزانة الأدب للبغدادي، ومقامات الحريري، وغير ذلك من الكتب التي كانت نادرة الوجود في ذلك الوقت غير أن هذا النشاط الدءوب تعرض للتوقف سنة (1277هـ = 1861م) حيث خرج رفاعة من الخدمة، وألغيت مدرسة أركان الحرب، وظل عاطلاً عن العمل حتى تولى الخديوي إسماعيل الحكم سنة (1279هـ = 1863م)، فعاد رفاعة إلى ما كان عليه من عمل ونشاط على الرغم من تقدمه في السن، واقتحم مجالات التربية والتعليم بروح وثابة يحاول أن يأخذ بيد أمته إلى مدارج الرقي والتقدم، فأشرف على تدريس اللغة العربية بالمدارس، واختيار مدرسيها وتوجيههم، والكتب الدراسية المقررة، ورئاسة كثير من لجان امتحانات المدارس الأجنبية والمصرية. قلم الترجمة
ومن أبرز الأعمال
التي قام بها رفاعة في عهد الخديو إسماعيل نظارته لقلم الترجمة الذي أنشئ سنة
(1280هـ
= 1863م) لترجمة القوانين الفرنسية، ولم يكن هناك من أساطين المترجمين سوى
تلاميذ الطهطاوي من خريجي مدرسة الألسن، فاستعان بهم في قلم الترجمة، ومن هؤلاء:
عبد الله السيد وصالح مجدي ومحمد قدري. روضة المدارس
حين عهد إلى
الطهطاوي إصدار مجلة روضة المدارس، سنة (1287هـ = 1870م) جعل منها منارة لتعليم
الأمة ونشر الثقافة بين أبنائها، فقد نظمها أقسامًا، وجعل على رأس كل قسم واحدًا من
كبار العلماء من أمثال عبد الله فكري الأديب الكبير، وإسماعيل الفلكي العالم
الرياضي والفلكي، ومحمد باشا قدري القانوني الضليع، وصالح مجدي، والشيخ حسونة
النواوي الفقيه الحنفي المعروف، وغيرهم. وكانت المجلة تنشر مقالات تاريخية وجغرافية
واجتماعية وصحية وأدبية وقصصا وأشعارا، كما كانت تنشر ملخصًا لكثير من الدروس التي
كانت تلقى بمدرسة "دار العلوم". آثار فكرية وعلى الرغم من كثرة المسئوليات التي تحملها رفاعة وأخذت من وقته الكثير، فإنه لم ينقطع عن الترجمة والتأليف فيما يعود بالنفع على الأمة، ولم يقض وقته إلا فيما فيه فائدة، وقد وصفه تلميذه النابه صالح مجدي بأنه "قليل النوم، كثير الانهماك على التأليف والتراجم". وقد بدأ رفاعة إنتاجه الفكري منذ أن كان مبعوثًا في فرنسا، ومن أهم كتبه: - مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية - المرشد الأمين في تربية البنات والبنين - أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل - نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز، وهو آخر كتاب ألفه الطهطاوي، وسلك فيه مسلكا جديدا في تأليف السيرة النبوية تبعه فيه المحدثون. أما الكتب التي قام بترجمتها فهي تزيد عن خمسة وعشرين كتابًا، وذلك غير ما أشرف عليه من الترجمات وما راجعه وصححه وهذبه. ومن أعظم ما قدمه الرجل تلاميذه النوابغ الذين حملوا مصر في نهضتها الحديثة، وقدموا للأمة أكثر من ألفي كتاب خلال أقل من أربعين عامًا، ما بين مؤلف ومترجم. ولا أجد في وصف رفاعة أفضل مما جاء في بيت لأحمد شوقي رثى فيه علي بن رفاعة الابن الأصغر للطهطاوي، وكان من نوابغ الحياة الفكرية في مصر يا ابن الذي أيقظت مصرَ معارفُهُ *** أبوك كان لأبناء البلاد أبـا
سيرته ومولـده :
|