VILLES ARTICLES FRANCAIS HOME PHOTOS LIVRES

 

البخور .. صناعة عشق... وسرطان!!!

 تحقيق/ فيصل علي


تشتهر عدن عن غيرها من المدن اليمنية بصناعة البخور وبيعه، وتعود شهرتها إلى سمعتها القديمة، حيث كانت إحدى الطرق الرئيسة للبخور نحو البلدان المطلة على البحرين الأحمر والأبيض المتوسط. وتشتهر سمراوات عدن بهذه الصناعة اللطيفة التي لها إيحاءاتها المختلفة، ومنها أن هؤلاء النسوة قد تعلمن هذه الصناعة بالوراثة منذ القدم، ولان هؤلاء السمراوات أيضا يردن المحافظة على أجواء عطرة تبقى في بيوتهن لفترة طويلة، خاصة أن عدن عرفت بارتفاع حرارتها والحرارة المرتفعة تجعل الأجسام تفرز إفرازات جسمية ذات روائح كريهة فهن عن طريق البخور الذي يصنعنه يغيرن الرائحة بأفضل منها، وتشتغل في صناعته الكثير من النساء، وهناك نساء اشتهرن بجودة صناعتهن، ولكل واحدة منهن طريقتها في طباخة البخور والمشتري هو الذي يميز الطيب من الرديء بين أنواع البخور. وكثيرات من هؤلاء الطباخات لا يتحدثن عن سر المهنة التي يجنين من ورائها أرباحا توفر لهن عيشة كريمة. وتعمل في هذه الصناعة كثيرات ممن لا علم لهن، وأيضا هناك مدرسات وموظفات يعتمدن على هذه الصناعة حتى يستطعن التغلب على صعوبات الحياة، وهناك البعض الناس يساعدون زوجاتهم في هذه الصناعة.
مواد الصناعة

يقول محمد السدعي أحد العاملين في محل للعطور في أمانة العاصمة أن هناك مواد كثيرة تدخل في صناعة البخور منها العودة ، ولها أنواع كثيرة فمنها العرائسي سعر الأوقية (الوقية) -28جراما - 6000 آلاف ريال ،وهناك نوع اقل جودة من الأول يصل سعر الأوقية إلى 3000 آلاف ريال، وهناك نوع بـ2000 وآخر بـ 1000 ريال وكل واحد يشتري على حسب قدرته الشرائية ،والمادة الأخرى المستخدمة في صناعة البخور هي الظفري وتستخرج من البحر الأوقية منه بـ700ريال ، ويستخدم أيضا المسك في هذه الصناعة ،ويوجد منه أنواع كثيرة مثل المسك الهندي، والألماني والتركي والصيني ،وأفضلها هو الألماني سعر الأوقية منه بـ700 ريال ،وهو مادة يقال أنها تستخرج من الجبال ،ويستخدم أيضا العفص وهو مادة مطحونة من حبوب شجرة العفص ويأتي من الهند وإيران ،وأيضا يستخدم العنبر ،ومنه نوعان نوع خاص بالبخور وهو رخيص الثمن ،وهناك نوع مستخرج من الحوت ويصل سعر الجرام منه إلى 4000 آلاف ريال وهذا العنبر يجعل رائحة البخور نفاثة وقوية، ويساعد على التصاق الرائحة بالجسم وبالثياب ،وهناك نوع من العنبر اسمه عنبر لدنة وهو أسود اللون يعمل على جعل لون البخور أسود غامق وعادة ما يضاف للبخور الخاص بالأعراس، وتضاف إلى البخور أنواع مختلفة من العطور الخام حتى تضفي عليه من روائحها الزكية ما يزيد من جمال رائحته الأخاذة ، مثل عطر العود والعنبر وجوهر المسك والوردي والزعفران.
استخدام البخور

> البخور يستخدمه الآسيويون في معابدهم مثل اليابانيين والصينيين ،ويستخدمه أهل اليمن والخليج في مجالسهم المختلفة ، في الأعراس ،والأحزان ، وأحيانا بعض أهل الطرق الصوفية يستخدمونه في حلقات الذكر ، ويستخدم أيضا في مناسبات الولادة ، ويستخدمه المشعوذون مع نبات الشذاب وشب الفؤاد لإخراج الجن حسب زعمهم، واغلب استخداماته اليوم هو من قبل النساء لجذب قلوب الرجال فرائحته لها ما لها في كسب القلوب، وفي الزمن القديم كان البخور أحد مظاهر الحياة اليومية، بل كان أكثر من ذلك، إذ كان يستخدم إلى جانب كونه رمزا للضيافة والأصالة ولتعطير الجو بالروائح الذكية لإكساب المكان روائح طيبة، كان يستخدم لطرد العيون الحاسدة والنفوس الحاقدة من البيت، ولشفاء الأسقام، ولطرد الأرواح والجان من البيوت، ولا تزال بعض هذه الأغراض تمارس حتى اليوم وإن تغير الزمان، وقلت درجة استخدام الناس للبخور في تلك الأمور، إلا أنها لا تزال موجودة حتى يومنا هذا .
كيف تشتري البخور؟

 يرشدك محمد السدعي إلى ثمان نقاط تساعدك على معرفة كيفية انتقاء النوع الجيد من عود البخور هي: يفضل شراء العود البخور بكمية كبيرة لأنه أوفر من الناحية الاقتصادية، ويجب عليك الابتعاد عن البخور المصبوغ (المطلي) لأنه في العادة يكون سيئا، والصبغ نفسه يغير رائحة البخور، ويجب عليك أن تنتبه عند شرائك لقطع البخور الكبيرة لاحتوائها على مادة الرصاص، لأنه يأتي في بعض الأحيان بهذا الوضع لزيادة الوزن، وعليك أن تجرب قطعة صغيرة من البخور المراد شراؤه، ثم لاحظ لون الدخان المتصاعد، فالبخور الجيد يميل لون دخانه إلى الأزرق، وافتح عينيك عند استنشاقك للبخور، فإذا أحسست بألم فيها فاعلم أنه رديء، ولاحظ عملية احتراق البخور فالبخور الجيد يتميز بكثرة فقاعات الدهن عند احتراقه، ودقق النظر في قطع البخور، ولاحظ وجود عروق لونها التي تميل إلى اللون البني الغامق أو الأسود، فإن البخور الجيد يتميز بكثرتها.
منافسة

> وهناك أنواع من البخور تأتي من السعودية والإمارات بكميات تجارية إلى بلادنا وهي تنافس البخور اليمني ، وتعتمد هذه الصناعات المنافسة على التقنية المصنعية التي تستخدم في هذه الحرفة التي تلقى رواجا كبيرا في اليمن والخليج ،بينما صناعة البخور هنا في اليمن تتسم بأنها صناعة منزلية ، وفي أغلب الأحيان تتم حسب الطلب ، وفي مناسبات مختلفة يذهب البخور اليمني إلى دول مجاورة ولكن بكميات قليلة لا ترقى إلى مستوى المنافسة وتكون عادة على شكل هدايا أو بطلب خاص من أسر مقيمة في هذه الدول ،والجدير بالذكر أن هذا البخور المستورد بدأ في الآونة الأخيرة يطغى على البخور اليمني ،وهذا بحسب ما أكده لنا محمد السدعي ،ولكن البخور اليمني لن ينتهي للوجود هذا البخور المستورد وسيظل الطلب عليه خاصة من قبل الناس الذين تعودوا عليه.
طريق البخور

شكل اليمن أهمية قصوى في العصور الغابرة بالنسبة للاقتصاد العالمي القديم الذي كان يضم دولا وحضارات مثل الرومان والإغريق وبلاد الرافدين. إذ اشتهر اليمن بتجارة البخور والطيب. كما كان يعتبر حلقة وصل بين البحر الأبيض المتوسط والهند، أولا بالنسبة لطرق القوافل التجارية ثم بات في ما بعد ميناء رئيسيا للتجارة البحرية. وكنوز الماضي الساحر لليمن وجنوب شبه الجزيرة العربية التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بتجارة البخور والعطور والصمغ، المستخدمة في الطقوس الدينية، والمعابد، والقصور، فضلا عن بعض الاستخدامات الطبية في مصر واليونان وروما القديمة، والتي جاء ذكرها في الكتب القديمة لدى الحديث عن هدايا ملوك المجوس الثلاثة في بيت لحم (يقول الكتاب المقدس "جاء الملوك من الشرق واحضروا معهم الذهب والبخور والمُر للرضيع يسوع." وتلك منتجات معروفُ بها اليمن) وقد مكنت السيطرة اليمنية على تجارة البخور الممالك المتعاقبة الثرية والمتطورة من الازدهار والنمو في هذه المنطقة ابتداء من القرن الثامن قبل الميلاد حتى القرن السادس الميلادي.
خطورة البخور

قالت دراسة حديثة أن حرق البخور قد يؤدي إلى الإصابة بالسرطان ويزيد أثره عن التدخين أو عادم السيارات في الأماكن المزدحمة ،فقد أظهرت دراسة أجراها الباحثون في تايوان أن الدخان الناتج عن حرق البخور (يمتلئ بمواد كيميائية تسبب الإصابة بسرطان الرئة) وأظهرت الدراسة أن مستوى هذه المواد الكيميائية الخطرة كان مرتفعا أربعين مرة في البيوت التي تستخدم البخور عن البيوت العادية التي لا يستخدم فيها البخور .
ويقول الدكتور لين من جامعة «تشن كون» في تايوان إن البخور لا يحمل معه مجرد الراحة النفسية والسكينة الناتجة من الرائحة الطيبة ، ولكنه يحمل أمورا أكثر ضررا بصحة الإنسان من بينها مخاطر مؤكدة باحتمال الإصابة بالسرطان، حتى وإن لم نتمكن من تحديد مدى خطورته بعد .. وقام لين وفريقه بجمع عينات من الهواء من داخل وخارج المعبد في مدينة تاينان ومقارنتها بعينات الهواء عند التقاطعات المرورية الرئيسية التي تعج بالسيارات فعثر على نسبة عالية من مادة (بولي سايكليك هيروكربون اروماتيك) وهي مادة كيميائية تسبب السرطان وتنبعث عند حرق بعض المواد ومنها البخور .

 


تصميم مسعود عمشوش